عبد الرحيم الضاقية

هذا العنوان ليس مزحة بل حقيقة ما حصل في أحد مراكز الامتحانات التابعة ترابيا لجهة مراكش- أسفي . بدأ كل شيء صبيحة يوم 4 يونيو 2016 حين استيقظ التلميذ ((معاد)) في اليوم الأخير للامتحان الجهوي للباكالوريا على رنين هاتفه النقال الذي حصل فيه خلل بإضافة ساعة عن التوقيت الرسمي .  قصد الثانوية من نفس الدرب الذي يسلكه على مدى سنتين ،  ليفاجأ عندما كان أمام باب المؤسسة بفراغ المكان من أصدقائه/ اته  وزملائه/اته وإحكام إغلاقه، وعندما طرقه أجابه صوت صارم (( لقد بدأ الامتحان )) سقط أرضا ودخل في نوبة بكاء حارة وأمامه سنة من الكد والجهد قد تبخرت في ثوان .  لم يعد  إلى منزل أسرته خوفا من غضبهم ، انزوى في إحدى الزوايا لأن الناس هنا يتعارفون كلهم ... صادف أحد المارة الذي أخبره أن الهواتف هذا اليوم أصابها الجنون ؟ ذهب إلى المركز ليتقصى الأخبار هناك علم بوقوع خطإ في التوقيت ...  

هنا تبدأ حكاية غريبة الأطوار عندما شاع الخبر وتناقلته وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي ، لتصدر وزارة التربية الوطنية بلاغا نص على إعادة المادة التي وقع فيها خطأ . وكان خبرا سارا على معاد الذي كان على موعد بعد 6 أيام مع نفس المادة وفي نفس التوقيت . في هذا اليوم كان جو مركز الامتحان غير عادي  البتة حيث كان فارغا عن آخره من التلاميذ/ات باستثناء معاد الجالس أمام باب الثانوية ببذلته الرياضية الحمراء يرقب فتح الباب . في الداخل كان كل شيء في مكانه جو الامتحان بكل مواصفاته : رئيس مركز الامتحان ، الملاحظ ، كتابة الامتحان ، المكلفون بالأجنحة ، المراقبون/ات ... كان كل شيء قد هيئ الليلة وتم تسليم الموضوع من طرف المدير الإقليمي على الساعة 5 صباحا . على مكتب رئيس المركز كيس أسود محكم الإغلاق بقفلين تحيط بهم محاضر الإجراء والفتح ...بعد دق الجرس الأول دخل معاد إلى المكتب جلس  وأمامه تم فتح القفلان : واحد من طرف الملاحظ والثاني من طرف رئيس المركز، وقع على محضر الفتح ثم توجه إلى الجناح 2 في الطابق الثاني قام بنفس الإجراءات التي فاتته ذات صباح . دق الجرس فتح الظرف انكب معاد وحيدا على ورقة الاختبار في جو هادئ ... هذه الواقعة البسيطة تعطينا دروسا ودلالات عميقة أهمها:

·       ضرورة الاعتراف بتحول عميق في المجتمع المغربي على مستوى دور وتأثير وسائل الإعلام والثورة التكنولوجية المصاحبة لها خاصة نشاط المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي في إيصال المعلومة وخلق الحدث . إن سرعة وصول المعلومة تفرض  معالجتها والتعامل معها  أمام الملأ ، إن هذا القرار لن يمكن تصوره قبل سنوات خلت لأن بطئ العمليات وطريقة التعامل وشكله ومدى انخراط المجتمع في مراقبة القرار السياسي والتربوي له مواصفات أخرى غير الموجودة حاليا .

·       تجسد هذه الواقعة حضور الدولة بمؤسساتها وهيبتها وقدرتها على التنفيذ إن توفرت الإرادة... فالدولة برمزيتها هي الوحيدة التي يمكنها أن تسموا قراراتها على حسابات المردودية الضيقة ومنطق الربح والخسارة . إن المواطن – التلميذ – المرشح (( عادل)) حضي بكل هذه العناية وشعر فعلا بأنه ينتمي لوطن ودولة ترجع له حقا ضاع منه لسبب ما ؟؟ إن الدولة وثقلها كانا حاضرين في هذا المركز منذ اتخاذ قرار إعادة الاختبار عند تجنيد طواقم المنسقين الجهويين التخصصين لاستعمال الموضوع الاحتياطي . وتفعيل  الاعتكاف لإنتاج الموضوع ثم تكليف المدير الإقليمي بنقل الموضوع   صباح هذا اليوم إلى مركز الامتحان . ثم تجنيد طاقم من حوالي 20 فردا ابتداء من الملاحظ حتى حراسة الأمن لخدمة مرشح واحد وضمان حقه . هذه التعبئة التي بدت عادية ذات صباح تبعث رسائل بليغة حول ما يجب أن يكون عليه تفعيل الحق والواجب وأعباء الدولة تجاه المواطن .

·       أتثبت هذه الواقعة تحلي بعض الأطر التربوية من كل المراتب بروح المسؤولية والوقوف في المواقف الصعبة بتبات وعزيمة . فبمناسبة الامتحانات أو الأحداث المصيرية نجد بعض الأطر من مختلف المراتب تتطوع بدون حساب للزمن لإنجاح العمليات بنكران ذات منقطع النظير . فعكس ما يروج من صورة نمطية تزكيها بعض الممارسات المشينة لبعض الأطر التربوية الميالة للعمل بالمقابل واحتساب الساعات الإضافية فإن المنظومة تعج بنساء ورجال قادرين/ات على رفع التحدي تماما كما فعلوا اليوم عندما أحاطوا بمعاد الذي مثل اليوم تلميذ/ة مغربي/ة مفترض.

·       في المقابل إن ما وقع من خطأ في التوقيت هو خطأ بشري من شركة  للاتصالات لم يتم الكشف بعد عن حيثياته ولم تحدد المسؤوليات ...هذا يعد خللا يتعين إصلاحه قانونيا عبر تفعيل بنود الدستور التي تنص  من جهة على المسؤولية والمحاسبة على ومن جهة أخرى على أن لا أحد فوق القانون ... هذه الحادثة عرت على مدى القدرة  على تفعيل القانون ومحاسبة من أخطأ . إذن رسمت هذه الواقعة صورتين متناقضتين لدولة حريصة على حماية المواطن وإرجاع حقه ، ودولة عاجزة عن تفعيل المحاسبة لضمان التوازن .

 

بعد انصرام المدة المقررة للامتحان  قام معاد من كرسيه متجها نحو المكتب وسلم ورقة تحريره ووقع في محضر الإجراء . ثم عاد وحيدا من حيث أتى ليعاد إغلاق الباب الذي كان ذات صباح حاجزا بينه وبين اجتياز الامتحان . قد تكون هذه الإجراءات قد عالجت الخطأ التقني لكنها لم تعالج الآثار النفسية والجراح الرمزية  والمرارة التي  تجرعها معاد ذات صباح صيفي …

عبد الرحيم الضاقية

هذا العنوان ليس مزحة بل حقيقة ما حصل في أحد مراكز الامتحانات التابعة ترابيا لجهة مراكش- أسفي . بدأ كل شيء صبيحة يوم 4 يونيو 2016 حين استيقظ التلميذ ((معاد)) في اليوم الأخير للامتحان الجهوي للباكالوريا على رنين هاتفه النقال الذي حصل فيه خلل بإضافة ساعة عن التوقيت الرسمي .  قصد الثانوية من نفس الدرب الذي يسلكه على مدى سنتين ،  ليفاجأ عندما كان أمام باب المؤسسة بفراغ المكان من أصدقائه/ اته  وزملائه/اته وإحكام إغلاقه، وعندما طرقه أجابه صوت صارم (( لقد بدأ الامتحان )) سقط أرضا ودخل في نوبة بكاء حارة وأمامه سنة من الكد والجهد قد تبخرت في ثوان .  لم يعد  إلى منزل أسرته خوفا من غضبهم ، انزوى في إحدى الزوايا لأن الناس هنا يتعارفون كلهم ... صادف أحد المارة الذي أخبره أن الهواتف هذا اليوم أصابها الجنون ؟ ذهب إلى المركز ليتقصى الأخبار هناك علم بوقوع خطإ في التوقيت ...  

هنا تبدأ حكاية غريبة الأطوار عندما شاع الخبر وتناقلته وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي ، لتصدر وزارة التربية الوطنية بلاغا نص على إعادة المادة التي وقع فيها خطأ . وكان خبرا سارا على معاد الذي كان على موعد بعد 6 أيام مع نفس المادة وفي نفس التوقيت . في هذا اليوم كان جو مركز الامتحان غير عادي  البتة حيث كان فارغا عن آخره من التلاميذ/ات باستثناء معاد الجالس أمام باب الثانوية ببذلته الرياضية الحمراء يرقب فتح الباب . في الداخل كان كل شيء في مكانه جو الامتحان بكل مواصفاته : رئيس مركز الامتحان ، الملاحظ ، كتابة الامتحان ، المكلفون بالأجنحة ، المراقبون/ات ... كان كل شيء قد هيئ الليلة وتم تسليم الموضوع من طرف المدير الإقليمي على الساعة 5 صباحا . على مكتب رئيس المركز كيس أسود محكم الإغلاق بقفلين تحيط بهم محاضر الإجراء والفتح ...بعد دق الجرس الأول دخل معاد إلى المكتب جلس  وأمامه تم فتح القفلان : واحد من طرف الملاحظ والثاني من طرف رئيس المركز، وقع على محضر الفتح ثم توجه إلى الجناح 2 في الطابق الثاني قام بنفس الإجراءات التي فاتته ذات صباح . دق الجرس فتح الظرف انكب معاد وحيدا على ورقة الاختبار في جو هادئ ... هذه الواقعة البسيطة تعطينا دروسا ودلالات عميقة أهمها:

·       ضرورة الاعتراف بتحول عميق في المجتمع المغربي على مستوى دور وتأثير وسائل الإعلام والثورة التكنولوجية المصاحبة لها خاصة نشاط المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي في إيصال المعلومة وخلق الحدث . إن سرعة وصول المعلومة تفرض  معالجتها والتعامل معها  أمام الملأ ، إن هذا القرار لن يمكن تصوره قبل سنوات خلت لأن بطئ العمليات وطريقة التعامل وشكله ومدى انخراط المجتمع في مراقبة القرار السياسي والتربوي له مواصفات أخرى غير الموجودة حاليا .

·       تجسد هذه الواقعة حضور الدولة بمؤسساتها وهيبتها وقدرتها على التنفيذ إن توفرت الإرادة... فالدولة برمزيتها هي الوحيدة التي يمكنها أن تسموا قراراتها على حسابات المردودية الضيقة ومنطق الربح والخسارة . إن المواطن – التلميذ – المرشح (( عادل)) حضي بكل هذه العناية وشعر فعلا بأنه ينتمي لوطن ودولة ترجع له حقا ضاع منه لسبب ما ؟؟ إن الدولة وثقلها كانا حاضرين في هذا المركز منذ اتخاذ قرار إعادة الاختبار عند تجنيد طواقم المنسقين الجهويين التخصصين لاستعمال الموضوع الاحتياطي . وتفعيل  الاعتكاف لإنتاج الموضوع ثم تكليف المدير الإقليمي بنقل الموضوع   صباح هذا اليوم إلى مركز الامتحان . ثم تجنيد طاقم من حوالي 20 فردا ابتداء من الملاحظ حتى حراسة الأمن لخدمة مرشح واحد وضمان حقه . هذه التعبئة التي بدت عادية ذات صباح تبعث رسائل بليغة حول ما يجب أن يكون عليه تفعيل الحق والواجب وأعباء الدولة تجاه المواطن .

·       أتثبت هذه الواقعة تحلي بعض الأطر التربوية من كل المراتب بروح المسؤولية والوقوف في المواقف الصعبة بتبات وعزيمة . فبمناسبة الامتحانات أو الأحداث المصيرية نجد بعض الأطر من مختلف المراتب تتطوع بدون حساب للزمن لإنجاح العمليات بنكران ذات منقطع النظير . فعكس ما يروج من صورة نمطية تزكيها بعض الممارسات المشينة لبعض الأطر التربوية الميالة للعمل بالمقابل واحتساب الساعات الإضافية فإن المنظومة تعج بنساء ورجال قادرين/ات على رفع التحدي تماما كما فعلوا اليوم عندما أحاطوا بمعاد الذي مثل اليوم تلميذ/ة مغربي/ة مفترض.

·       في المقابل إن ما وقع من خطأ في التوقيت هو خطأ بشري من شركة  للاتصالات لم يتم الكشف بعد عن حيثياته ولم تحدد المسؤوليات ...هذا يعد خللا يتعين إصلاحه قانونيا عبر تفعيل بنود الدستور التي تنص  من جهة على المسؤولية والمحاسبة على ومن جهة أخرى على أن لا أحد فوق القانون ... هذه الحادثة عرت على مدى القدرة  على تفعيل القانون ومحاسبة من أخطأ . إذن رسمت هذه الواقعة صورتين متناقضتين لدولة حريصة على حماية المواطن وإرجاع حقه ، ودولة عاجزة عن تفعيل المحاسبة لضمان التوازن .

بعد انصرام المدة المقررة للامتحان  قام معاد من كرسيه متجها نحو المكتب وسلم ورقة تحريره ووقع في محضر الإجراء . ثم عاد وحيدا من حيث أتى ليعاد إغلاق الباب الذي كان ذات صباح حاجزا بينه وبين اجتياز الامتحان . قد تكون هذه الإجراءات قد عالجت الخطأ التقني لكنها لم تعالج الآثار النفسية والجراح الرمزية  والمرارة التي  تجرعها معاد ذات صباح صيفي …

مواضيع مختارة

الخوف وتأثيراته السلبية وسبل معالجته

  الشعور بالخوف هو حالة انفعالية داخلية وطبيعية موجودة لدى كل إنسان ، يسلك خلالها سلوكاً يبعده عن مصادر الأذى . فعندما نقف على سطح عمارة بدون سياج ، نجد أنفسنا ونحن نبتعد عن حافة السطح شعوراً منا بالخوف من السقوط ،

إقرأ المزيد...

الحياة المدرسية

مدخل

  • تعتبر الحياة المدرسية جزءا من الحياة العامة المتميزة بالسرعة و التدفق التي تستدعي التجاوب والتفاعل مع المتغيرات الاقتصادية  القيم الاجتماعية والتطورات المعرفية
    إقرأ المزيد...

المتصلون حاليا

106 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع