مراد ليمام

لعل مختلف إجراءات التقويم التكويني الخاصة بالمدرس، ينبغي أن تكون في خدمة التقويم والتصحيح الذاتيين لدى المتعلم، ما دام الأساسي هو تحكمه في مختلف الإجراءات، وتمكنه من التساؤل بصدد ما هو مقدم

على فعله أثناء التقويم من أجل تحقيق فعل أفضل: "فالمراقبة الذاتية هي موضوع الدراسة لدى المعرفيين تحت مصطلح: إجراءات تدبير الإجراءات Procédures de gestion des procédures"(1).

وينبغي أن لا ننسى أن التقويم الذاتي ليس فقط المراقبة الذاتية، بل هو أيضا التساؤل الذاتي L’auto-questionnement . وبتعبير أدق، الملكة التي تدفع الذات إلى طرح أسئلة بصدد ما هي مقدمة عليه وعلى فعله: " ما الذي أنا بصدد فعله؟ وما المعنى الذي يحمله الفعل؟ أو ما المعنى الذي أنا بصدد بناءه؟...الخ"(2).

إن طبيعة التساؤلات الذاتية، تتصل بطبيعة المشروع الذي أنا بصدد بلورته . على هذا الأساس ظهر مفهوم جديد للتقويم التكويني، استنادا إلى أعمال كل من كالبيرين Galpérine وسافوايون Savoyant وأميك  Amigues، فيما يطلق عليه بتجربة Marseilleveyre ، والتي استثمرها فيما بعد بونيول Bonniol  وآخرون.

فما الفرضيات التي انطلق منها هؤلاء الباحثون؟ وكيف بلوروا تصوراتهم بخصوص التقويم التكويني؟ وما الأدوات والمفاهيم الموظفة لتقديم تصور متكامل؟

ينطلق مفهوم التقويم التكويني من سيادة الاعتقاد القائل بأن امتلاك المتعلمين لمعايير التقويم الخاصة بالمدرسين مع القدرة على التدبير الذاتي للأخطاء، والتحكم في أدوات الاستباق والتخطيط من شأنها موضعة هذا المفهوم داخل المجال الديداكتيكي، على اعتبار أن نظريات التعلم الداعمة لهذا الطرح تخلخل مجال التقويم بإضفاء مزيد من العقلانية أثناء عمليات تصحيح الأخطاء.

إن مجموع الأعمال المنجزة من طرف الباحثين تؤكد فرضيتين أساسيتين هما:

 "امتلاك المتعلم لأدوات التقويم الخاصة بالمدرس.

تحكم المتعلم في عمليتي الاستباق والتخطيط"(3).

تعتبر الفرضيتان هدفين بيداغوجيين ورئيسيين لكل مقاربة في التقويم تنشد مساعدة المتعلم على تعرف حالة تعلمه ومعالجة الصعوبات التي تحول دون هذا الأخير. لذلك ينبغي على المتعلم أن يبني نظاما داخليا للقيادة يمكنه من التقويم الذاتي، و المراقبة الذاتية، و المعالجة الذاتية...

فالتحليل المسبق لمركبات المنتوج المطلوب، وبتعبير أدق: التحليل الاستباقي للمهمة المتوخى إنجازها تمرين مهم جدا لوصف الإجراءات التي تتركب منها. لأن معرفة المعايير الخاصة بسيرورة العمل (Processus) و بإنجاز المهمة من شأنها تسهيل نشاط العمليات الذهنية والإستراتيجيات التي يوظفها المتعلم لإنجاز العمل المطلوب.

بناء عليه، يحصر الباحثون طرائق الفعل والإستراتيجيات الموظفة أثناء سيرورة العمل المنجز في خمس مراحل ، لأن التحكم الذاتي في العمليات الذهنية هو الإجراء التوليدي الكفيل بضمان شروط المراقبة والتقويم الذاتيين . فالمتعلم الذي يقوم بالتشطيب وبإعادة صياغة الأفكار وبتمزيق ورقة التحرير والإعادة من جديد، هو متعلم يقوم ضمنيا وبطريقة غير واعية بتتبع مختلف الأنشطة التي يقوم بها، الأمر الذي يقود إلى الإقرار بوجود مركبة (Composante) طبيعية في ذهنه هي المراقبة الذاتية. ومن أجل تفسير الظاهرة  يتكلم أميك (Amigue) عن "جهاز تقويمي (Instance Evaluatrice) يوجد بداخل كل فرد ويمكنه من قيادة تقويمه الذاتي"(4).

إن طريقة إعداد المتعلم للعمل المنجز وفق منهجية يستند من خلالها على درجة معينة من الاعتماد على الذات، من شأنها أن تبعد التقويم عن التحليل الخارجي والمراقبة الخارجية بقدر ما تقربه من مجال الجودة والذاتية، حيث مفهوم سيرورة العمل (Processus) يجعل من التقويم مجالا للعلاقات الإنسانية والحوار والتبادل والتأثير التفاعلي ... يغدو عندها التقويم "تقويما ضمن الأفعال (5)Une Evalaluation en acte"، استنادا إلى تفكير ٳستراتيجي ينبني على فكرة القيادة والحكامة والعقلنة في إطار البحث عن المعنى حيث الذوات، تبني المعنى وتنبني بواسطته عن طريق البحث.

فما المراحل الأساسية المشكلة للفعل أثناء التقويم الذاتي؟

كل وعي بوضعيات التقويم من شأنه تيسير الانخراط في وضعيات التقويم، ما دام الوعي يوفر المبدأ القبلي أو السيكولوجي للانخراط في مسار التعلم والتقويم ومعايشتهما. لذلك، وضعت تجربة Marseilleveyre مراحل الفعل المشكلة لعمليات بناء جهاز المراقبة الذاتية على المستوى المعرفي ومنح كل إمكانيات تحققه الفعلي. فالتقويم والمراقبة الذاتيان ليسا مجرد ملكة معطاة سلفا وثابتة لدى المتعلم، بل هي دينامية تتحقق داخل سلوكات ومواقف في علاقة بموضوعات التقويم. على هذا الأساس يمكن حصر المراحل الخمس للفعل فيما يلي:

Œالتمثل (La représentation) :

إن التمثل الذهني لخاصيات الموضوع (الأدوار، الميزات ، معارف، مهارات...) يتم تحديده في شكل هدف أو سلوكات نهائية، أو في شكل طرائق تشمل أنشطة وأفعالا متتالية. فمرحلة التصور القبلي تعني الفكرة التي يكونها المتعلم عما هو مطالب به أثناء إنجاز مهمة ما، والهيئة التي تتخذها هذه الأخيرة في ذهنه، ثم النماذج الذاتية المساعدة على أجرأة سيرورة عمله، والمرامي التي جعلت المدرس يبني المهمة وفق شروط محددة. "إن مرحلة التمثل ضرورية لنجاح الفعل، فهي توجه مختلف أطوار الفعل اللاحقة"6.

الاستباق (L’anticipation) :

يسمحالاستباق بتنبؤ وتوقع مختلف وسائل الإنجاز، كإدراك المعطيات الملائمة وربط بعضها ببعض اتكاء على منطق توليفي (Logique Conbinatoire). "يسمح الاستباق بتنفيذ كل عملية مختارة بموضعتها بالنسبة لعمليات أخرى مع معرفة دورها في بلوغ الهدف انطلاقا من حافز محدد"(7). فهو تفكير في المهمة بوصفها كلا مركبا من مجموع العناصر المشكلة له، يحقق الوعي بالنتائج التي يمكن أن تتولد عنها الأفعال من جهة، والقيمة التي تأخذها المعارف قصد بلوغ الهدف من جهة أخرى.

Žالتخطيط ((La planification

التخطيط هو تفكير وتقرير ٳستراتيجية لما يجب عمله سلفا لبلوغ أهداف معينة، إنه تصميم للعمل ومجسم للفعل (Maquette d’action) "يتطور بتأثير المراقبة التلقائية لنتائج مسارما" (8) قصد بلوغ هدف محدد.

فحين يلخص المتعلم نص ما، يضع سجلا للإجراءات التي سيقوم بها: قراءة النص، و معرفة معناه، و تحديد الكلمات المفاتيح...علما أن هناك إجراءات ثابتة (القراءة، الكتابة مثلا)، وإجراءات متغيرة بحسب طبيعية النص الملخص (علمي،أدبي، قانوني...الخ).

الإنجاز (Ŀ'Exécution):

يتمثل في إنجاز السلوكات المستهدفة في مراحلها المطلوبة، إنها مرحلة الإنجاز الفعلي للعمليات والإجراءات والسلوكات المستهدفة والتحقق الفعلي للمهمة المطلوبة.

التقويم أو المراقبة ((L’évaluation ou le Contrôle:

يمثل التقويم عنصرا بنائيا للمهمة طيلة مراحل الفعل، انطلاقا من معايير يتم قبولها،أو تعديلها،أو رفضها في كل لحظة من لحظات الفعل: "إن التقويم ملاحظة لسيرورة العمل طيلة الأطوار الأربعة للفعل  : نقارن ما نسقطه، بما نفعله، وبما نحصل عليه. وكأننا بصدد مشاهدة أنفسنا لحظة الفعل انطلاقا من معايير"(9).

إن توفير جهاز بيداغوجي يؤشر على نجاح الفعل رهين بمدى تزويده بالأدوات الضرورية والصحيحة للأهداف المحددة، وبالتخطيط العقلاني والمراقبة الذاتية، إضافة إلى التقويم الذاتي.


1 - Michel vial : (deux modèles de l’évaluation : la régulation cybernétique et la régulation systémiste) l’éducation N°12.1997.(Page :55).

2-المرجع نفسه ص: 56.

3 - Georgette Nunziati : (pour construire un dispositif d’évaluation Formatrice). Cahiers pédagogiques N°280-Janvier 1990( page :51).

4-المرجع نفسه، ص: 51.

5 -Michel vial : (deux modèles de l’évaluation : la régulation cybernétique et la régulation systémiste l’éducation N°12.1997. (Page 54).

6 - Georgette Nunziati (pour construire un dispositif d’évaluation Formatrice). Cahiers pédagogiques N°280-Janvier 1990 ( page 51).

7-المرجع نفسه ص: 51.

8-المرجع نفسه ص: 52.

9-المرجع نفسه ص: 51.

مواضيع مختارة

سبل تجاوز ظاهرة الغش في مادة التربية الاسلامية

  كريمة مهتدي

مع اقتراب موعد الامتحان الجهوي في مادة التربية الإسلامية، تبدأ استعدادات تلاميذ الثانويات لهذا الاستحقاق الكبير بابتكار أحدث الطرق في الغش، والتي تتطور كل سنة، متماشية مع التطور التكنولوجي والعلمي،

إقرأ المزيد...

التناول التربوي لموضوع التنوع البيولوجي وقياس مستوى معارف تلاميذ السلك الثانوي التأهيلي حوله

(نموذج الجغرافيا وعلوم الحياة والأرض بالجذع المشترك)

عرف العالم منذ مطلع القرن العشرين مجموعة من التطورات في علاقة الإنسان بالبيئة، حيث أن هذا القرن تميز بمجموعة من التحولات

إقرأ المزيد...

المتصلون حاليا

95 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع