الأستاذ رشيد اليملولي

     تستلزم الضرورة المعرفية و المنهجية أن نقرأ الوحدات المتعلقة بمادة الجغرافيا انطلاقا من استحضار المنهج الجغرافي التي تمثله التلاميذ في الجذع المشترك سواء الأدبي أو العلمي ،

و الأخذ بعين الاعتبار الكفايات و القدرات التي يستهدفها برنامج هذه المادة التي أصبح دورها يفوق الضرورة و يرقى إلى الإلزام و القسر طبعا في نسقه المعرفي و آفاقه المستقبلية .

لذلك سنعنى في هذه المحاولة المتواضعة بتسجيل بعض الملاحظات ذات الطابع المنهجي التي ارتأينا تسجيلها من خلال وقوفنا عندها أثناء تدريسنا لهذه المادة .

تتكون المجزوءة الأولى من وحدات تتعلق بالمجال العالمي و التكتلات الاقتصادية تنتظم فيه سبع وحدات ثلاث منها تخص الظاهرة الكونية المسماة العولمة من خلال أسلوب تنظيمها للمجال و التحديات المرتبطة به و الوقوف عند إشكالية تفاوت النمو بين الشمال و الجنوب ( المجال المتوسطي ) بالإضافة إلى ملفين يهم الأول منه العولمة و الهوية الثقافية و الثاني المنظمة العالمية للتجارة ، هذه المكونات تكتسي قيمة معرفية و منهجية تراعي الظاهرة الكونية و تحاول أن ترصد معالمها بالوصف و التفسير و إثارة الانتباه للقضايا المتعلقة بها عبر الكفايات الثقافية / المعرفية و اكتساب المصطلحات و المفاهيم التي تدور في سياقها و حقلها الدلالي مع تقدير أهمية التكتلات الاقتصادية العالمية والجهوية في المنافسة التنموية ، و " نعتقد " أن اللجنة العلمية وفقت كثيرا في اختياراتها الخاصة بهذه المجزوءة انطلاقا من راهنية الظواهر المرصودة للدراسة و تكثيف المعطيات الخاصة بكيفية توظيف المنهج الجغرافي عبر تنويع وسائل تعبيره المعروفة من خرائط و مبيانات و نصوص و خطاطات ووثائق و صور ، و إذ نثمن هذا المسعى ونقدره نرجو أن تكون الاستفادة مثلى للمتعلمات و المتعلمين .

غير أن هذا الاحتفاء و هذه الأصالة سرعان ما خبت و أصبحت مجرد تصورات و أفكار تمني العين و لا تطفئ عطشا حسب ما تشي به مكونات المجزوءة الثانية التي تعد في تقديرنا انتكاسة معرفية و منهجية بالنظر إلى الأصالة التي تحققت في المجزوءة الأولى .

كيف ذلك ؟

تنطلق وحدات هذه المجزوءة من رسم محورين مفاد الأول رصد المميزات العامة لاقتصاديات كل من الولايات المتحدة الأمريكية و فرنسا و اليابان ، و مناط الثاني وصف و تفسير اقتصاديات بعض البلدان النامية و تحديدا الصين و البرازيل و كوريا الجنوبية مع إرفاق ذلك بملفين الأول عن دور التأهيل البشري في القوة الاقتصادية و الثاني عن الهند باعتبارها وجها لتنمية متعددة .

أولى الإشكالات المرتبطة بهذه الوحدات أنها شكلت امتدادا زمنيا طويلا لم نستطع من خلاله أن نتخلص من هذا العائق الخاص بجغرافيا البلدان و كأنها الصيغة الوحيدة الممكنة فمنذ فترة ليست بالهينة وأمريكا و فرنسا و اليابان و روسيا التي حذفت تشكل ثابتا جغرافيا في تصورات و اقتناعات المؤلفين لهذه المادة بشكل قد يدفع إلى تساءل فلسفي و منهجي ما معنى ذلك ؟ و بأي مضمون ؟ هل من الضروري إدراج وحدات تخص البلدان دون الانفتاح على منطق و مواضيع العصر ؟

إن إلغاء هذه الوحدات و إدراج أخرى يكتسي طابعا استعجاليا يعد في تقديرنا أولى الأولويات ؛ و يتعلق الأمر بالمناخ و الأمراض و الأوبئة و الجغرافيا السياسية ، فمؤتمر الأرض بريو دي جانيرو ( 1992) مرورا بمؤتمر كيوطو (1998) وصولا إلى مؤتمر كوبنهاغن و انتهاء بمؤتمر ليما ( 2014) ، و مستقبلا في باريس (2015) ، لم تحرك واضعي هذه الوحدات لتنويع المادة المعرفية و تحسين مردودية الفهم و التفسير و التعليل المعرفي و المنهجي ، و الرقي بالوعي الجغرافي و تقدير أهميته في رسم سياسات الدول و استراتيجياتها التنموية على كافة الأصعدة .

 بالموازاة مع ذلك هناك العديد من الظواهر الجغرافية التي أصبحت ضرورة إدراجها حاجة حضارية خاصة ما تعلق بأمراض العصر كجنون البقر ، و انفلوانزا الطيور ، السيدا  الإيبولا إضافة إلى العواصف المرتبطة بالمناخ كالهاريكان ،  و التورنادو، و الويلي الويلي ، و إعصار كاترينا ، و كلها تندرج ضمن ظاهرة الاحتباس الحراري .

كل هذا يدخل في إطار التصور التنموي الجديد الذي يركز على البيئة فيما يعرف بالمشاريع صديقة البيئة مع التركيز على الأمن الغذائي و المائي و ما يرتبط بذلك من طبيعة و نوع الغذاء و أهمية المناطق الرطبة و التنوع البيولوجي و ما إلى ذلك من مواضيع حساسة.

لا يقتصر الأمر على هذا المستوى بل طاله إلى التركيز و الاهتمام و الهرولة وراء الاقتصاد دون الانفتاح على المقوم الآخر الصانع للتنمية و الاستثمار و هو العنصر البشري ، لذلك نقترح إدراج و إدماج وحدات تهم كيفية استثمار هذا المعطى داخل التجارب الرائدة في هذا المجال و نخص بالذكر النموذج الكوري (و الاسرائيلي على سبيل المثال لا الحصر) بفعل الطفرة الاقتصادية التي تحققت خارج النموذج الكلاسيكي للتنمية أي المصادر و الثروات الطبيعية بحيث استطاعت أن تساير التطور و التنمية انطلاقا من إمكاناتها البشرية ، صحيح أنه تم الانتباه إلى هذه العملية من خلال الملف الذي ينهي الوحدة الأولى من المجزوءة الثانية غير أن حضوره المعرفي و المنهجي باهت و لا يحقق الكفاية المرجوة و نقصد ملف دور التأهيل البشري في القوة الاقتصادية.

و بالموازاة مع ذلك كان من الممكن التنصيص على وحدات تتعلق بمستقبل الطاقة و البديلة منها خصوصا و الإشارة إلى المشروع الطموح بورزازات .

لكل ذلك نرى أن إدراج وحدات خاصة بالنماذج الاقتصادية لقوى كبرى و أخرى صاعدة ضمن المجزوءة الثانية لا يستجيب للطموح المعرفي و المنهجي للجغرافيا المعاصرة و  لراهنية و روح العصر بتعبير هيغل للتلميذات و التلاميذ على السواء ، الأكثر من هذا أنه يثير في نفوسهم ميلا نحو التهميش و التنقيص و الازدراء أثناء المقارنة التي تصدح بها " هوامش " و همسات الأقسام و أحيانا في تساؤلات مباشرة تحتقر الذات و الأنا من خلال أسلوب المقارنة الذي يرفل في تعظيم الآخر و جلد الذات و يعيش الغربة النفسية حسب ما نعاينه يوميا .

إن تشكيل الذهنية الجغرافية في المرحلة الثانوية يجب أن يستند إلى مقومات المعرفة المتطورة و المعطيات المحينة التي تراعي الخصوصية " الابستمية " و أن لا ترتكس إلى وحدات تربينا معها منذ طفولتنا لا تتغير إلا معطياتها في حين يبقى قالبها قائما منتصبا لا يحقق المتعة المعرفية بل و الجمالية بقدر ما يرسم خطى المعلومة و الرقم و يفضي في أحايين كثيرة إلى غياب التحليل و التفكيك و العمق المنهجيين لدى التلميذ (ة) خاصة و أنه مقبل في هذه المرحلة على التخصص في العلوم الإنسانية و بالضبط على أهمية و قيمة هذا الرافد المعرفي بشكل قد يحقق له الدهشة بالمفهوم السلبي .

                      الأستاذ رشيد اليملولي

                    عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مواضيع مختارة

اللغة العربية و المناظرة المغربية ... المعطوبة !!

( نحن أمام أمرين لا ثالث لهما: إما أن نعرب التعليم وإما أن نفرنس الشعب! ... والواقع أنه لا أحد يستطيع اختيار المستحيل، أعني جعل الشعب المغربي ينقلب إلى شعب لغته

إقرأ المزيد...

إستراتيجيات التعلم الحديثة "تعلم ذاتي"

مقــدمـــة :

شهد النصف الثاني من القرن الماضي ظهور نظام جديد يمكن الطلاب من التعلم بأنفسهم دون مساعدة من معلم معتمدين في ذلك على قدراتهم الذاتية الخاصة .

إقرأ المزيد...

المتصلون حاليا

179 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع