رشيد اليملولي

إن الناظر في الكتب المدرسية المعتمدة في مختلف الجهات المغربية ، يلاحظ أن الوزارة الوصية اعتمدت على الكتاب المتنوع باعتباره استراتيجية تروم التفاعل الإيجابي مع الخصوصيات المجالية

و الثقافية و النفسية المفضية ديداكتيكيا إلى القدرة و الكفاية المزمع تحقيقها مع الفئات المستهدفة في أفق رسم معالم التموضع و التموقع مع مختلف القضايا و الظواهر ، و ربطها بالمحيط السوسيوـ ثقافي ، و من الطبيعي أيضا أن المجالات المغربية تطبعها العديد من الخصائص المناخية التي تتفاعل إيجابا و سلبا مع القيم التربوية التي ترتضيها المدرسة ، و قد تؤثر في المسار التربوي برمته و تضفي عليه طابع العائق الابستمولوجي .

 

من المتعارف عليه تربويا وديداكتيكيا أن الحصص المدرسية هي مجال زمني تراعى فيه كل الظروف الكفيلة بتقديم الدرس النموذجي و الفعال ، و الذي لا يهفو إلى تجاوز المعيقات بقدر ما يستحضرها بغرض التقليل منها على أمل القضاء عليها ، على أن هذه الحصص سرعان ما تتحول في بعض المناطق ( ملاحظاتي ستقتصر على المنطقة النائية و الصعبة التي أشتغل فيها منذ ثماني سنوات ) إلى فضاء تشوبه مؤشرات عدة تحد من إمكانية الفعل التربوي الهادف و البناء ، فخصوصية المنطقة المناخية تجعل من هذا المعطى عائقا و معرقلا بالمعنى العلمي للكلمة ، أي أن شدة الحرارة تدفع المتعلم قهرا إلى التغيب و في الحالات القصوى الحضور بعيدا عن معناه التربوي ، و افتعال كل ما من شأنه أن يفيد في التخلص من الحجرة الدراسية سواء تعلق الأمر بالمرحاض أو الشرب أو استكمال أوراق المنحة بالنسبة لتلاميذ و تلميذات السنة الثانية من سلك الباكالوريا ، المهم أن فئة المتعلمين و المتعلمات لا تحضر بغرض التحصيل و المثابرة ، بل من أجل تجنب الغياب و ملاحقة الآباء و الأولياء ، الأدهى أن العديد بل و الغالبية تصر و تلح على إجراء التقويمات التربوية قبل أوانها قصد تجنب المجيء ومشقة الطريق و الحرارة المرتفعة المرتبطة بها ، و كثيرا في مثل هذه الفترة من السنة ما يتحول الفضاء التربوي إلى " سوق " يكثر فيه الجري و الهرولة نحو صنابير المياه و المماطلة في الدخول إلى الفصول الدراسية، و قد يدفع الأمر بالبعض إلى اقتناء المياه و حملها مع المحفظة ، غير أن ما يثير الانتباه حقا هو نزوع العديد من التلاميذ إلى عدم إحضار اللوازم المدرسية و افتعال الشغب في رغبة جامحة لدفع الأستاذ أو الأستاذة إلى رد فعل معين و هو الخروج من الفصل تحديدا و ذلك هو المبتغى و الهدف المنشود ، يضاف إلى ذلك مسألة التوقيت المعمول بها في هذه الفترة الزمنية و التي تنضاف باعتبارها عائقا كبيرا في إضفاء التوتر النفسي على المتعلمين و المتعلمات خاصة في الفترة المسائية التي تصل فيها الحرارة إلى الذروة .

أمام هذا الوضع نعتقد أن القطاع الوزاري الوصي في هذه المنطقة خاصة الأكاديمية و النيابة مطالبة ليس فقط بإصدار المذكرات و تطبيقها كليا أو جزئيا ، بل إنها مطالبة باجتراح الوسائل الكفيلة التي قد تدفع إلى التقليل من هذه المعاناة الحقيقية و التي يروح ضحيتها التلميذات و التلاميذ و الأستاذ من خلال ضعف الطاقة النفسية المواكبة ، و ضمور الرغبة في العطاء أمام وضعيات تعلمية و تعليمية لا تستجيب للحد الأدنى من حيث شروطها و مواصفاتها ، إذا علمنا أن حصاد السنة يتوقف على هذه الفترة بالذات من خلال التقويم و الدعم ، لكل ذلك نحسب أن قيمة و جودة العمل التربوي تنزل إلى مستويات قياسية و قد لا نغالي أنها تكاد تنعدم في العديد من الحصص ، إذا أضيفت لها النزعة التمردية و " الثورية " للمتعلمين و المتعلمات المتأتية من ذهنية المنطقة، لهذا نقترح تخصيص الفترة الصباحية فقط للدراسة و تعويض الحصص المسائية إلى فترة ليلية إذا اقتضى الأمر ذلك و إنهاء الموسم في الأسبوع الأول من ماي ،و إلغاء الساعة المضافة في التوقيت المغربي على الأقل في هذه المنطقة بالضبط ، لأنه لا تقدم الإضافة المرجوة منها على الأقل في الخدمة التربوية .

أما الاستمرار على المنوال نفسه ، و تقديم صور نموذجية و براقة ، فلا يمكن أن يؤدي إلا إلى مزيد من هدر المجهود و الطاقة العقلية و النفسية و البدنية ، و تسويق معطيات لا تتماشى مع الرغبة في صناعة الأمل و الذكاء و التحكم في المصير ، فالكتاب المتنوع يستتبعه بالضرورة المناخ المتنوع و العقلية و النفسية و الذهنية المتنوعة ، و إغفال هذه المعطيات تحت أي مبرر يعني استمرارية العطب و تأبيد الخلل على أمل التأسيس العقلاني للموت المعرفي و الثقافي ، و ضياع الكفاءات مع كل هبة ريح تسفو معها كل إرادة في التغيير ، و يصبح المشروع الجهوي الموسع مجرد فقاعة إعلامية تلغي المغرب المركب هوياتيا في تكوينه و مناخه و أنماط تفكيره .

 

الأستاذ رشيد اليملولي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

مواضيع مختارة

حين تختزل العملية التربوية في النقطة والمعدل !!

بقلم: نهاري امبارك

مقدمة

أضحى التلاميذ وأولياء أمورهم، يطرحون سؤالا، يثير الاستغراب، حول المدرسة العمومية والخصوصية، والثانوية الإعدادية والتأهيلية على حد سواء،

إقرأ المزيد...

التعليم بالحب ...

ذ . رشيد اسعيد

استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم في تربية وتعليم أصحابه رضوان الله عليهم وأرضاهم أساليب وطرق ومهارات متعددة ومتنوعة ، يأتي في مقدمتها أسلوب

إقرأ المزيد...

المتصلون حاليا

198 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

آخر الأعضاء المسجلين

  • egragizayqe
  • Abraham Tail
  • TannerMuh
  • VerStoops
  • Cidessenak
  • RobsagTweks
  • MSVCP140.dll
  • atkidexepove
  • Williamlob
  • kaoutar

تسجيل الأعضاء