الدكتور رشيد اليملولي 

ينبني الدرس الابستمولوجي و التربوي على اقتناعين ، يتعلق الأول منهما بمقولة غاردنر " الذكاء المتنوع " ، و هي مبدأ معرفي و منهجي ينص على قيمة المادة المعرفية الكامنة في بواطن الفرد ـ المتعلم ، و التي تقتضي فقط كيفية تحفيزها و استخراجها ، و صقل إمكاناتها ، حتى يتسنى تقديمها وفق ما تقتضيه سياقات هذا الفرد ـ المتعلم ، و مناط الاقتناع الثاني رفض التراتبية في المجال المعرفي ؛ بمعنى بناء الأفضلية في سلم ترتيب العلوم أكانت " حقة " أو اجتماعية ، أو فنية ، أو إنسانية ، يستمد هذا المبدأ مرتكزه المنهجي من أن الحقيقة في بعدها لا ترتبط بزمن أو تتعلق بفترة محددة ، إذ إن منطق التطور هو الذي يفرض اقتناعه و أساسه الدال على العلمية ، فقد أثبت التاريخ أن الأحقية التي اكتسبتها العلوم " الحقة " سرعان ما تهاوت بفعل الآثار التي خلفتها على الإنسانية بإيعاز من مقولات العقل و التطور ، هذا العقل هو الذي أفرز الحروب الدامية ، و هذه الرغبة هي التي أفضت إلى استعمار الشعوب و استعبادها ، و غزو الفضاء و التطور التقني هو الذي خرب البيئة ووسع ثقبها ، و أردى الحياة على الأرض أشبه بسم يقتل كل يوم عضوا من أعضائها ، و قد أجاد الفيلسوف الألماني نيتشه حين وسم هذا العقل بالأداتية ، و الانغلاق و ترديد المقولات الميتافيزيقة بغية تحييد الطابع النقدي ، و الحقيقة النسبية المرتبطة به .

  لازالت الوزارة الوصية في منأى عن استحضار هذه المرجعية في تأطير الروائز ، و إن كانت محكومة بنية حسنة تسعى معرفة مكامن الضعف و الاختلال في مكتسبات التلاميذ و تمثلاتهم المعرفية و الذهنية ، بغية رسم خارطة طريق للدعم و التقوية ، و إن كنا لا نساير هذا المسعى في مستواه العملي ، أي أن هذه النية لا تتزامن مع الرغبة في توفير العدة اللازمة ( بينات تحتية ـ معدات ديداكتيكية ) من أجل الإنجاز و التتبع ، و كأننا في المحصلة النهائية بصدد تمرين لتسويق خطاب تربوي دون تتبع إكراهاته و أفقه ، و مستويات و درجة خطورته ، و الغائب الأكبر هو ضعف إنتاج الثروة  و الإسهام الجاد في تقوية الذكاء الكوني .

  يستمد هذا القلق التربوي و المعرفي ليس من محاكمة الوزارة و الأجهزة الوصية ، بقدر ما يهفو معرفة حدود و مدى هذا الإجراء ـ الروائز ـ و الفلسفة الثاوية خلفه ، و التي تتبدى لنا إسهاما راقيا في تكريس الفوارق الثقافية و العلمية و إنتاج العنف ، و تعميق التفاوت ، و سيادة منطق التحقير و الدونية ما بين فئة المتعلمين ، و بناء هرمية تربوية قد تؤسس لفعل الانتقام في المرتكزات اللاشعورية للتلاميذ ما دام سلم الصعود و الترقي الاجتماعي مباحا و بشكل سريع للمتعلم العلمي ، ( المسطرة المتبعة في المباريات ) ،مقابل صعوبته إن لم نقل استحالته بالنسبة للمتعلم الأدبي ، هذه الثنائية الميتافيزيقية تفرض منطقا معرفيا مهترئا ، ففي الوقت الذي يتجه فيه المتعلم ـ العلمي إلى التخصصات العلمية الدقيقة ، ينحاز المتعلم الأدبي إلى الشعب الإنسانية و القانونية و الاجتماعية ، المسلكين معا ينتجان مفارقة في النتيجة النهائية ؛ حيث يتحول الأدبي إلى مسؤول سياسي أو قضائي بيده سلطة القرار و أحيانا كثيرة التشريع و التنفيذ ، و يغدو المتعلم العلمي منغلقا في تخصصه الدقيق في استقالة شبه تامة عن الحياة و مقتضيات الصراع ، مما يغيب على الجانبين إمكانية الاستفادة و إغناء الثقافة و الحضارة الوطنية ، غير أن الأمر لا يقتصر على هذا المنحى ؛ إذ أن امتدادات هذه العوز تصل إلى منطق و فلسفة التفكير التي يطغى عليها العنف و غياب الأنسنة و القدرة على التواصل البناء ، خاصة و أن الافتقاد إلى المرجعية الشمولية في قراءة الظواهر و الخاصيات الإنسانية ، يؤدي في كلتا الحالتين إلى إنتاج الحدية المفرطة و ادعاء القول الفصل أو المركزية في اتخاذ القرار ، و هو ما يعني تشتت المبادرات و تشذيرها و تشذيبها ، خاصة أن الأمر موكول إلى بنية التكوين ، فلا يعقل مثلا أن تنتج العلوم ذهينة التفوقأ و التطرف و ارتياد عوالم الجماعات ، في وقت ترتكز العلوم في منطقها على النسبية ، و يتأتى هذا من غياب القراءة و التكوين في حقل الإنسانيات و الإجتماعيات ، و بالمقابل لا تعني الحقول الأدبية و الإنسانية مرتعا للسلبية و هروبا من التدقيقات الإحصائية و الكمية و المعادلات ، و حياضا خصبا للتسلية و تزجية الوقت ، و إنما هي شريك أساس في بناء المتعلم و تقوية مناعته و تقويته في تنويع مصادر معرفته ، في أفق إنزاله إلى ساحة المحددات و الموجهات التي لا يرتهن منطقها بالحساب و الكم ، و التي تفرز العديد من الحقائق و تبني الكثير من العوالم ، و من ثم فإن خيال الروائي لا يتخلف عن افتراضات الرياضي و حسابات الاقتصادي ، و أن العقل المجرد يكون محكوما بسياقات اجتماعية و أحيانا بدوافع نفسية قد لا تحل منطقها الداخلي و شفرتها العميقة سوى دندنات موسيقية ، و ليس جداول و أرقام إحصائية .

   إن الروائز التي تسعى الوزارة من خلالها رصد اختلال التمثلات و المكتسبات ، لا تعد مؤشرا نوعيا إن هي أقامت منطقا ايديولوجيا لا زال يؤمن بالتراتبية و الطبقية المعرفية ، بقد رما هو أسير نزوع كلاسيكي في بناء الذات ، و أخطر ما يمكن أن تفضي إليه هذه السياسة هو صناعة مناخ و أرضية مهيأة للسلبية و التقوقع خارج المتعلم الإشكالي و بعيدا عن المعرفة و العلم البناء و الهادف .

الدكتور رشيد اليملولي 

باحث في التاريخ و القضايا المحلية 

الهاتف :00212651320402

مكناس  المغرب 

مواضيع مختارة

قراءة تحليلية في مشروع المنهاج الدراسي المنقح

عبد الغفور العلام

لقد أجمعت كل التشخيصات والتقييمات الوطنية والدولية المنجزة مؤخرا على أن الإصلاحات المتعاقبة على منظومة التربية و التكوين لم تعالج إشكالية النموذج البيداغوجي للمدرسة المغربية،  حيث أنها لم تصل بعد إلى الفصل الدراسي،

إقرأ المزيد...

في نظرية المعرفة.. منذ كانط حتى بياجي

نستطيع أن نقول إنّ الميلاد «الرّسمي» لنظرية المعرفة كان مع ظهور المشروع الكانطي لنقد العقل.. ولا يعني هذا أننا لا نستطيع أن نجد عند الفلاسفة السابقين على كانط بحوثا في المعرفة،

إقرأ المزيد...

المتصلون حاليا

166 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

آخر الأعضاء المسجلين

  • atkidexepove
  • Williamlob
  • kaoutar
  • مصطفى
  • testreg2016
  • الداودب
  • mayrawen
  • ayoub elyazaji
  • اسراء
  • عربي عقلبي

تسجيل الأعضاء