مقدمة :

تتكون العلوم الاجتماعية من مختلف التخصصات التي تسهم في تكوين الأفراد في ما يرتبط بحياتهم داخل المجتمعات؛ وتتعدد هذه التخصصات لتشمل علم الاجتماع، التاريخ، العلوم السياسية، الأنثروبولوجيا، الاقتصاد، والجغرافيا. تتطلب العلوم الاجتماعية من المدرسين والباحثين استخدام طرق ودراسات بحثية كمية ونوعية لاستكشاف وإدماج القضايا المتعلقة بالناس والثقافة والسياسة.

يعتبر مدرسو العلوم الاجتماعية متخصصين في مجالات اجتماعية محددة،  لكن هناك بعض الاستثناءات، مثل أولئك الذين يدرسون مواد واسعة النطاق في ما يعرف باسم "الدراسات الاجتماعية" في الفصول الدراسية الابتدائية والاعدادية والثانوية (بدرجة أقل)، وبما أن هذا المجال واسع النطاق، فإن المدرسين الطموحين يجدون فرص عمل أكبر في جميع مستويات التعليم.

تدريس العلوم الاجتماعية في المرحلة الأساسية

على مستوى المدارس الابتدائية، يتم تدريس العلوم الاجتماعية كجزء من منهج الدراسات الاجتماعية التي تشمل التاريخ والجغرافيا، مع ملامسة بسيطة لبعض المجالات مثل العلوم السياسية وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا؛ وبما أن المطلوب من مدرسي المستويات الابتدائية هو تغطية جميع مناهج الدراسات الاجتماعية (ولو في إطار ضيق)، فإنه مع عدم تكوينهم الأكاديمي في كل التخصصات الاجتماعية المدرسة يفرض عليهم القيام بتكوينات موازية أثناء مزاولة وظائفهم.

تدريس العلوم الاجتماعية في المرحلة الإعدادية

وعلى مستوى المرحلة الإعدادية، تدرس العلوم الاجتماعية أيضا كجزء من منهج الدراسات الاجتماعية، وذلك جنبا إلى جنب مع باقي التخصصات الأساسية كاللغة الفرنسية والرياضيات، وتتطرق الوحدات الدراسية في الفصول الدراسية عادة إلى مواضيع متنوعة كالتاريخ والجغرافيا الوطنية والإقليمية وكذا الدولية، إضافة إلى مواضيع أخرى تصب في التربية على المواطنة؛ وهي مرتبطة بالحكومات والسياسات العامة والحقوق والواجبات وغيرها.

تدريس العلوم الاجتماعية في المرحلة الثانوية

في المدرسة الثانوية، يتم استبدال مناهج الدراسات الاجتماعية بعدة مواضيع محددة في العلوم الاجتماعية، بما في ذلك التاريخ والجغرافيا والاقتصاد؛ وبالتالي يصبح اشتغال المدرسين أكثر تخصصا حيث تتم تغطية الموضوعات المطلوبة في مجالات محددة مثل التاريخ والجغرافيا، لهذا السبب تصبح مهمة المدرسين أكثر تعقيدا من المستويات السابقة.

أهمية تدريس العلوم الاجتماعية

في السنوات الأخيرة تلقت العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) غالبية الاستثمارات والدعم من الحكومات والجامعات وغيرها من المؤسسات الممولة لقطاع التعليم، لكن مع أهمية هذه التخصصات، لا ينبغي تجاهل أهمية العلوم الاجتماعية في الواقع المعيش، وذلك في مجالات مثل الرعاية الاجتماعية، نظام العدالة والحقوق، الأعمال التجارية وغيرها من الظواهر والعلاقات الإنسانية، وهذا ما يؤكد الأهمية القصوى للعلوم الاجتماعية؛ لذلك كان من المهم جدا أن تتم معالجة هذا الاختلال التعليمي وتقديم المزيد من الدعم لتدريس العلوم الاجتماعية.

يرى العديد من الناس أن عبارة "العلوم الاجتماعية" قد تستحضر صورا من الأخصائيين الاجتماعيين أو المدرسيين، وهذا سوء فهم جسيم لمجموعة من الأدوار المتاحة ضمن هذه التخصصصات ذات التأثير الكبير في العالم أوسع؛ حيث تركز العلوم الاجتماعية على دراسة المجتمعات والعلاقة بين أفرادها، كما تغطي مجموعة واسعة من المواضيع مثل الاقتصاد والعلوم السياسية وعلم الاجتماع والتاريخ وعلم الآثار والأنثروبولوجيا والقانون، إضافة إلى نظرتها الثاقبة في تحليل مختلف الظواهر البشرية.

ما هي إضافات المتخصصين في العلوم الاجتماعية؟

يشارك الباحثون في العلوم الاجتماعية في حل العديد من القضايا الكبرى في العالم، مثل الجرائم، أحداث العنف، الطاقات البديلة، التربية المجالية والبيئية؛ وهذا ما جعل المتخصصين يحدثون آثارا عميقة في كل جزء من أجزاء المجتمع.

تتعدد الأمثلة عن مساهمة العلوم الاجتماعية في مواجهة مختلف القضايا الاجتماعية –على مستويات التشخيص والتدبير والتنبؤ-  وخير مثال عن الأدوار الهامة التي يمكن أن تلعبها العلوم الاجتماعية؛ أزمة الإيبولا الأخيرة التي ضربت غرب إفريقيا لتنتشر في عدة مناطق دولية؛ ففي حين أن جزءا هاما من حل هذه المشكلة يرتكز على تطوير فهم أوضح لمسببات الأمراض المعنية وزيادة الاستثمار في أدويتها المضادة، فإن تدخل العلوم الاجتماعية تجلى في فهم الأشخاص الذين يعانون من المرض وكذلك المجتمع الأوسع الذي يعيشون فيه؛ فعلى سبيل المثال، يحتاج الأطباء إلى فهم مواقف الناس تجاه أشياء مثل النظافة والسلوكيات الصحية وطرق التطبيب المتبعة، كما كان من الضروري أيضا التحقيق في إشكاليات مجتمعية أكبر؛ مثل فشل الدول في معالجة المشاكل الصحية وكيف يمكن تجاوز هذا الفشل، إضافة إلى أن مكافحة فيروس إيبولا تطلب حمل القضية إلى أخصائيين في الإدارة والأسواق والتوطين وتسعير الأدوية والموارد البشرية وجمع الأموال والقيادة (وكلها تخصصات اجتماعية).

كما قدم علماء التخصصات الاجتماعية عدة إضافات في مجالات أخرى منها الطب، مثل العمل المشترك مع المنظمات الصحية في المملكة المتحدة؛ حيث يدرس الباحثون حاليا كيفية فهم مرضى السرطان ومقدمي الرعاية الصحية للتغيرات الأخيرة والمستمرة في علم السرطان، ويعمل علماء الاجتماع أيضا مع المعهد الوطني للصحة من أجل تقديم صورة أوضح عن تجربة المرضى في المستشفيات، كما يعملون مع مجلس البحوث الطبية حول الأسباب المحتملة لأنماط النوم السيئة.

وهناك أمثلة أخرى على الاستخدامات الوظيفية للعلوم الاجتماعية؛ مثل استخدام وزارة الدفاع بالمملكة المتحدة لعلماء اجتماع من أجل فهم أفضل للعالم وتحسين قدرته على التصدي للتحديات الدفاعية والأمنية التي يواجهها كل يوم؛ ولا ننسى الاستعانة بالجغارفة في الحروب الدولية وعلى رأسها الحربين العالميتين في القرن الماضي. في مثال آخر مثير للاهتمام، جمعت وزارة الداخلية بالمملكة المتحدة المهندسين وعلماء الجريمة ومصنعي السيارات من أجل معرفة كيفية صناعة سيارات أكثر مقاومة للسرقة؛ وذلك راجع إلى تبصر وخبرة علماء الجريمة بالأسباب التي تجعل الناس يسرقون والأساليب المتبعة في ذلك.

يتجلى الطلب الكبير من طرف عالم الأعمال لعلماء التخصصات الاجتماعية في عدة أمثلة دولية؛ مثل اعتماد "مركز أبحاث بيانات المستهلكين" على الخرائط الجغرافية الديموغرافية لتقديم معلومات إلى شركات الطيران حول خصائص استخدام عملائها للخدمات وأنماط السفر والوصول إلى المطارات؛ فالشركات في جميع أنحاء العالم تسعى إلى فهم أعمق لزبنائها، وعلماء الاجتماع قادرون على توفير ذلك لامتلاكهم المهارات اللازمة لرؤية العالم رؤية لا يستطيعها المتخصصون في باقي المجالات.

تعزيز العلوم الاجتماعية للمستقبل

من الواضح أن العلوم الاجتماعية ذات أهمية بالغة للمجتمعات في جميع أنحاء العالم، ولكن هذه التخصصات تحتاج لزيادة مستوى الدعم المقدم لها؛ ومن بين البرامج الرئيسة التي ظهرت لدعم العلوم الاجتماعية نجد حملة العلوم الاجتماعية بالمملكة المتحدة التي تسعى إلى رفع الدعم المخصص لهذه التخصصات من خلال تنبيه المسؤولين عن السياسة العامة وبناء التحالفات والمشاركة في الندوات والنقاشات المخصصة لدعم العلوم الاجتماعية.

وثمة برنامج آخر ساعد على رفع مستوى العلوم الاجتماعية يسمى "مستقبل المملكة المتحدة واسكتلندا"، ووفقا لموقع البرنامج على شبكة الإنترنت فإنه يعمل لتوضيح قيمة وتنوع العلوم الاجتماعية، بما في ذلك المساهمة في سياسة الهجرة، التعليم العالي، الرعاية الاجتماعية، الدفاع والأمن، الأعمال التجارية، العملة، الدستور. وقد نجحت البرامج المذكورة أعلاه في زيادة المعرفة العامة بالعلوم الاجتماعية وتأمين المزيد من التمويل لها.

إن الاختيارات التي فرضت على التلاميذ والطلبة بين العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والعلوم الاجتماعية تعتبر ضالة وغير صائبة؛ فالمجتمعات تحتاج إلى أشخاص ملمين بجميع المجالات على حد سواء؛ وهذا ما سيلزم بوجود مزيج من العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والعلوم الاجتماعية؛ بحيث تشارك العلوم الاجتماعية بشكل متزايد في عمل تعاوني متعدد التخصصات في مجالات متنوعة مثل الهندسة، والطب، والحوسبة، وعلم الأحياء، والرياضيات؛ فمن الواضح أنه لا يمكن لأي تخصص من هذه التخصصات أن يشتغل بمفرده في عزلة تامة.

عادل اليمني : أستاذ التعليم الثانوي

المراجع :

http://tobecomeateacher.org/how-to-become-a-social-science-teacher/

https://www.studyinternational.com/news/the-importance-of-the-social-sciences/#iq7eLCtsJ0kSXMIK.97

مواضيع مختارة

مواقع الإعلام والتوجيه: تعددت المواقع والإعلام واحد

بقلم: نهاري امبارك

مقدمة:

يعتبر الإعلام المدرسي والمهني أحد المكونات الأساسية للتوجيه التربوي ، كما يعتبر عملية تربوية تتجلى في مد التلميذ بمعلومات حول نفسه ووسطه المدرسي والمهني،

إقرأ المزيد...

ديداكتيك التاريخ

عرفت  المنظومة التعليمية بالمغرب ، تحولا نوعيا في حقل التربية و التكوين ، وذلك بتبني مقاربة الكفايات الذي تعتبر كأحد المقاربات الأساسية لتفعيل مضامين  الميثاق الوطني للتربية والتكوين ،

إقرأ المزيد...

المتصلون حاليا

110 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع