ذ . رشيد اسعيد

استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم في تربية وتعليم أصحابه رضوان الله عليهم وأرضاهم أساليب وطرق ومهارات متعددة ومتنوعة ، يأتي في مقدمتها أسلوب

" التربية والتعليم بالحب " . فقد اعتمد صلى الله عليه وسلم هذا الأسلوب وهو يعلم جيدا أنه من أرقى أساليب التواصل البشري وأسماها وأكثرها قبولا لدى جميع الناس على اختلاف أعمارهم وأجناسهم وثقافاتهم ...

وبضل الله ثم بفضل هذه البيداغوجيا ( إن جاز تسميتها بهذا الاسم ) التي اختارها الرسول عليه الصلاة والسلام في التربية والتعليم صنع من أصحابه رضوان الله عليهم خير أمم الأرض ، قال عز من قائل : "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ " آل عمران / 110 . وجلعهم أفضل أجيال الأمة على الإطلاق ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " خيرُ الناسِ قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ... " .

وفيما يأتي نماذج من تربية الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم لأصحابه وتعليمهم بالحب :

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ». فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا أُحِبُّكَ. فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذ؛ُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ " .

فقوله رضوان الله عليه " أَخَذَ بِيَدِهِ " يعد بمثابة عقد محبة ، وبيعة مودة . فمجرد اللمس يجعل الشعور بالود بين المعلم والمتعلم يعلو ، والإحساس بدفء العلاقة بينهما يرتفع إلى أعلى المستويات .

وقد كان عليه الصلاة والسلام يدرك ؛ إدراكا جازما ؛ ما للمسة الحب من أثر على المتعلم فكان صلى الله عليه وسلم يلصق ركبتيه بركبتي محدثه ويضع يده على فخذيه أو منكبيه ،كما كان عليه الصلاة والسلام يضرب بيد الشريفة على صدر من يخاطبه .ولعل أشهر موقف في إطار اعتماده صلى الله عليه وسلم على التربية والتعليم بلمسة الحب ما حصل له ما الشاب الذي جاء يستأذنه في الزنا . فقد ثبت من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه ، قال : " إن فتى شابا أتى النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا!، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال: أدنه، فدنا منه قريبا، قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟، قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم ، قال: أفتحبه لابنتك؟، قال: لا واللَّه، يا رسول اللَّه جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال أفتحبه لخالتك؟ قال: لا واللَّه جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم قال: فوضع يده عليه وقال: اللَّهمّ اغفر ذنبه وطهر قلبه، وحَصِّنْ فرْجَه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء" .

وفي رواية أخرى:وقال": اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحَصِّنْ فرْجَه، فلم يكن شيء أبغض إليه من الزنا .

يبدو إذا من هذا الموقف أن الحديث العاطفي واللمسة الحانية في مواطن ومواضع كثيرة يكون مفتاحا سحريا للإقناع وتعديل السلوك .

وبالعودة إلى حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه نلاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم يصرح وبكل وضوح بحبه لمعاذ: " يَا مُعَاذُ،وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ،وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ"ما جعل الصحابي الجليل ؛ وبدون تردد ؛ يبادله الشعور نفسه : " بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا أُحِبُّكَ " .

هذا الإحساس الراقي وهذا التواصل المنقطع النظير بين المعلم والمتعلم يجعل من العملية التعليمية التعلمية عملية ممتعة تحقق أهدافها ، وتؤتي أكلها كل حين بإذن الله .

الأسلوب نفسه اعتمده الرسول صلى الله عليه وسلم ( التربية والتعليم بالحب ) مع أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه وأرضاه حينما نصحه باجتناب الولاية نظرا لما لمسه فيه من ضعف يحول بينه وبين القيام بمهمته أحسن قيام . قال عليه الصلاة والسلام : " يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا ، وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تَأَمَّرن على اثنين ولا تَوَليَنَّ على يتيم " .

ما أصعب أن يقول شخص لشخص آخر " إنك ضعيف " ، إنها كلمة تتضايق منها النفوس ، وتغضب لسماعها . لكن الرسول صلى الله عليه وسلم افترش لها فراش المحبة وغطاها بغطاء المودة فنزلت بردا وسلاما على قلب أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه وأرضاه .

أيها المربون والمعلمون ! " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ " الأحزاب /21 .

مواضيع مختارة

الإبستيمولوجية التكوينية وامتداداتها البيداغوجية

مقال مترجم[1]، ترجمة: د. محمد مريني

إذا كانت العلاقات بين البيداغوجيا وعلم النفس معقدة، فإن الحوار بين المربي والعالم النفسي ليست أفضل حالا. يذهب بياجي إلى حد تقديم نصائح ذات طابع استراتيجي،

إقرأ المزيد...

التأليف المدرسي .. إلى أين ؟ !

الأستاذ : الصادق بنعلال

1 -  نصدر في هذه المقالة عن مفارقة غريبة تكاد تسم مختلف "الأنظمة التعليمية" العربية ؛ إذ بقدر ما أن هناك "وعيا" بمركزية المعطى التربوي و أولوية الإصلاح البيداغوجي ،

إقرأ المزيد...

المتصلون حاليا

159 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع