بقلم: نهاري امبارك٭

مقدمة:

لقد ضمنت مختلف المواثيق والمعاهدات الدولية حقوق الإنسان عامة وحقوق الطفل، من كرامة وحرية ومساواة وتكافؤ الفرص في الميادين التربوية والتعليمية والمهنية والاجتماعية، وغيرها......

وتنهض فلسفة منظومتنا التربوية والتكوينية على مجموعة من المبادئ والحقوق المصرح بها للطفل عالميا ووطنيا. ومن جملة هذه الحقوق، يعمل نظام التربية والتكوين على تحقيق مبدأ المساواة بين التلاميذ وتكافؤ الفرص أمامهم في مختلف المجالات الحياتية التعليمية والمهنية والاجتماعية، إناثا وذكورا، سواء في البوادي أو الحواضر، طبقا لما يكفله دستور المملكة المغربية لسنة 2011  في بابه الثاني، والميثاق الوطني للتربية والتكوين في بنديه الحادي عشر والثاني عشر.

إلا أنه يجزم الفاعلون التربويون والمتتبعون للشأن التربوي والتعليمي، من خلال مؤلفات وكتب، استنادا إلى تقارير ميدانية، أن مبادئ المساواة والعدل بين جميع التلاميذ، وخصوصا مبدأ تكافؤ الفرص لم يتم تحقيقه بالشكل المطلوب، كما نصت عليه مختلف المواثيق والاتفاقيات التي تم الاعتراف بها دوليا ووطنيا، حيث إن فوارق شاسعة لا زالت تجثم بين الأطفال والمتعلمين على جميع الأصعدة، تربويا وتعليميا وتكويميا، ناجمة عن فوارق طبقية اجتماعية ملموسة المظاهر والتأثيرات.

واللقاءات التشاورية حول إصلاح المدرسة المغربية جارية من اتصالات ومناقشات واجتماعات بين مختلف الفرقاء التربويين والاجتماعيين تنعقد، سواء على صعيد البنيات التعليمية أو الاجتماعية، أو على صعيد الهيئات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، فهل تنال إشكالية عدم تكافؤ الفرص التعليمية المسجلة في صفوف التلاميذ والطلبة، منذ مدة زمنية غير يسيرة، ما تستحقه من العناية والاهتمام ؟ من تشخيص وتحليل وفهم دوالبها وأسبابها  وآثارها وانعكاساتها، من أجل وضع الحلول المناسبة وإرساء التدابير والإجراءات الناجعة لردم هوة سحيقة بين التلاميذ والطلبة على صعيد جميع أسلاك وأطوار التعليم والتكوين على حد سواء، وعلى الصعيد النفسي والتربوي.
فما مظاهر عدم تكافؤ الفرص التعليمية بين المتعلمين؟ وأين تتجلى؟ وما هي آثارها وانعكاساتها النفسية والتربوية والتعليمية والمهنية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية؟ وأي السبل لإرساء هذا المبدأ الأساسي ضمن إجراءات وتدابير إصلاح المدرسة المغربية؟

سنحاول الإجابة، قدر الإمكان، على هذه الأسئلة المشكلة لإشكالية تنزل بكل ثقلها على جميع الفرقاء والفاعلين التربويين، من أمهات وآباء وأطر إدارية وتربوية ومسئولين محليا وجهويا ووطنيا، اعتمادا على ملاحظات ميدانية وتقارير ولقاءات ومناقشات، وذلك من خلال الفقرات التالية:

مظاهر عدم تكافؤ الفرص التربوية والتعليمية:

من خلال هذه الفقرة، وباعتماد منهجية المسح واستقصاء الواقع المعيش، وباعتماد مقاربة معاشرة آباء وأولياء التلاميذ، ومواكبة التلاميذ وتتبع مساراتهم التعليمية، والصعوبات التي تواجههم وانعكاساتها النفسية والتربوية ضمن المنظومة التربوية والتكوينية، سنحاول وضع تشخيص مبدئي، دون الادعاء بشموليته، لمظاهر وتجليات عدم تكافؤ الفرص التعليمية والتكوينية، وذلك كما يلي:

التعليم الأولي بين تنوع المقرات والممارسات:

فمنذ الانطلاقة نحو التربية والتعليم ومعرفة المبادئ الأولية للتعلم، والطفل ما يزال في السنوات الأولى من عمره، تواجه والديه إشكالية التعليم الأولي لتمكينه من أبجديات التمدرس قبل الالتحاق بالسلك التعليمي الابتدائي، فيطرحان مجموعة من الأسئلة، تتعدد وتختلف باختلاف الأوساط الأسرية والاجتماعية مهنيا وجغرافيا، حضريا وقرويا وانتماء طبقيا، فيتم البحث عن المكان المناسب إن وجد، وفق مؤشرات أسرية اجتماعية واقتصادية وتوجهات ثقافية، ليقع الاختيار، إما على جامع أو مسيد أو كتاب قرآني أو روض تقليدي أو روض عصري أو مؤسسة عمومية للتعليم الأولي إن وجدت، حيث تشهد الممارسات التربوية والتعليمية اختلافات وفوارق شاسعة، إن على مستوى البنية والتجهيز والأدوات والظروف المهيأة، أو على مستوى الخطاب واللغة والمعاملات.

فأطفال الأسر الفقيرة والمعوزة الساكنة بالأحياء الهامشية بالحواضر، أو أطفال الأسر البدوية بالقرى والدواوير والمداشر، قلما يلجون التعليم الأولي أو ما قبل التمدرس، إما لعدم وجود مقر أصلا، أو لبعده عن السكنى، أو لمواقف معينة للآباء والأمهات بناء على معلومات سيقت لهم من بعض المصادر. أما وإن وجدت مقرات التعليم الأولي، فتطرح أسئلة أخرى، من قبيل: هل هذه المقرات رسمية؟ وما هي الجهات المشرفة عليها؟ وهل يتعلق الأمر بفقيه أو مربي(ة)؟ وما طبيعة تكوينه؟ وكيف يمكن أن يعامل الأطفال؟ ليعيش الآباء والأمهات هواجس الخوف والاضطراب النفسي من شدة التردد وتضارب المواقف. أما وإن تم تجاوز كل الوضعيات والأحوال، وتم الحسم في إلحاق الطفل بالتعليم الأولي، فإن صعوبات ومشاكل جمة تواجه الآباء وخصوصا الأمهات، تتمثل في مرافقة الطفل ذهابا وإيابا، والحالة هذه لا وجود لسيارة نقل، فتصرف الأمهات وقتا غير قليل لمصاحبة أبنائهن أربع مرات يوميا، وذلك على حساب انشغالاتهن المنزلية، إن لم يكن يشتغلن، لتحضير الأكل للزوج ولأطفال آخرين.

أما أطفال الأسر الميسورة، أو تلك التي توفرت لها ظروف مادية، أو تلك التي تواجه، على كل حال، كل الصعوبات، فتتكلف العناء والمعاناة لإلحاق أبنائها برياض الأطفال العصرية أو مؤسسات التعليم الأولي الخصوصي، حيث فعل الدعاية يذيع توفر هذه المقرات على بنيات تحتية وتجهيزات تليق بالتربية الأولية وتفي بأغراضها ، كما تبلغ هذه الدعاية عن مربيات ذوات خصوصيات ومميزات وكفاءات مهنية تلقينا ومعاملات. وهكذا، وبغية تربية وتعليم وإعداد للسلك الابتدائي وانطلاقة ناجحة، تهرول هذه الأسر نحو مقرات تعليم أولي مفعمة بالأمل ومستقرة نفسيا وواثقة من مسايرة أطفالها دراستهم المستقبلية بنجاح وتفوق.

وعليه، وبناء على ما أسلف مما تم جرده، ومما لا يزال، يمكن تصنيف الأطفال منذ الانطلاقة نحو التعلم، وعلى مشارف سلك التعليم الابتدائي، إلى ثلاث فئات: فئة لم يسبق لها أن ارتادت التعليم الأولي بأي من أشكاله ولم تطأ أقدامها لا المسيد ولا الكتاب...؛ وفئة لامست أبجديات التعليم الأولي، ولو في ظروف سيئة من حيث التنقل والظروف ونوعية الممارسات والمعاملات؛ وفئة تمكنت من برامج التعليم الأولي في ظروف مقبولة، فأضحت تجيد القراءة والكتابة وترديد الأناشيد بلغتين على الأقل.

وعليه مرة أخرى، وانطلاقا من واقع هذه الفئات من الأطفال، المتباينة ثقافيا واجتماعيا وتربويا وتعلما، كيف يمكن لفئة، وهي الأكبر عددا، لم تستأنس بأبجديات التعليم ما قبل المدرسي أن تواجه مقررات السنة الأولى ابتدائي، وتساير الدراسة في ظروف عادية إلى جانب فئة، على قلة عددها، متمكنة من القراءة والكتابة وحتى الحساب وبلغتين على الأقل؟  

تنوع المدرسة:

استنادا إلى ملاحظات بسيطة وعادية، يمكن التمييز بين مدرسة حضرية ومدرسة شبه حضرية ومدرسة قروية، من جهة، ومدرسة عمومية ومدرسة خصوصية ومدرسة البعثات الأجنبية، من جهة أخرى، وذلك ارتباطا بالتنوع الطبقي والسكاني والعمراني والاقتصادي والاجتماعي والثقافي السائد بالمجتمع، الأمر الذي يؤدي، نظرا لعدة لعوامل ذات الصلة بمختلف الفئات الاجتماعية، إلى تفاوتات صارخة بين النتائج المدرسية، ليتم تسجيل نسب نجاح مدرسي تتدرج تنازليا وبشكل حاد، انطلاقا من الطبقات الاجتماعية العليا والمتوسطة إلى الطبقات الفقيرة والمعوزة، وذلك في علاقتها الوطيدة بنوع التعليم المرتبط بالمدرسة الخصوصية والعمومية، ووسط المدرسة العمومية الحضرية منها والقروية.

فحيث للمدرسة الخصوصية مميزات وخصوصيات تحفيزية وتشجيعية، فإنها تعمل على استقطاب مزيد من التلاميذ سنة بعد أخرى، باعتماد آليات متعددة، من توفير نقل مدرسي يقرب المدرسة من التلميذ، وكتب مدرسية، وحصول جميع التلاميذ على نتائج جيدة تؤهلهم لاحتلال المقاعد المتقدمة بجميع المستويات وعلى جميع الأصعدة والاستحقاقات، من اكتساح التخصصات الدراسية والتكوينية المعتمدة على الانتقاء الأولي إلى الحصول على شواهد ودبلومات بنسب عالية.

وقد أدى واقع المدرسة الخصوصية ونتائجها، إلى انتشار الدروس الخصوصية في صفوف الطبقات الاجتماعية التي لم تطق نفقات التعليم الخصوصي كاملة ومتطلباته المادية، ليتم الالتجاء إلى الأساتذة الذين ينجزون حصصا إضافية مؤداة، وذلك في جميع المستويات والمواد الدراسية. وعليه، يتم تسجيل عدة اختلالات على صعيد العملية التربوية، من جهة، وعمليات تقويم إنتاجات التلاميذ من جهة أخرى، فيضعف التلقين الدراسي وتتسرب ممارسات مشينة، من قبيل التفاضل ومنح نقط متميزة لفائدة التلاميذ المقبلين على القيام بدروس خصوصية. وهكذا يتمكن أولئك التلاميذ من منافسة تلاميذ التعليم الخصوصي.     

وعلى العكس من ذلك، فحيث للمدرسة العمومية واقعها وظروفها المرتبطة بالعموم، والمستقبلة لأطفال السواد الأعظم من جميع الطبقات الاجتماعية، والموزعة بين الحضرية منها وشبه الحضرية والقروية، فإن لها خاصيات وتعيش ظروفا خاصة تختلف من مدرسة إلى أخرى.

فالمدرسة الحضرية بالأحياء الراقية أو تلك التي تحتضن أطفال الأسر ذات المستويات المعيشية الميسورة، تتميز بخصوصيات محفزة على الدراسة والتحصيل وتحقيق نتائج مدرسية مشجعة تضمن لتلامذتها مقاعد متقدمة بمصاف تلاميذ المدارس الخصوصية، من حيث الانتقاءات الأولية والالتحاق بالمؤسسات ذات الاستقطاب المحدود والحصول على شواهد ودبلومات عليا.

أما المدرسة شبه الحضرية فواقعها مختلف، حيث توجد بهوامش المدن بأحياء شعبية تعج بالسكان على اختلاف مشاربهم الثقافية والاجتماعية، وحيث ترتفع نسبة الولادة، وحيث معظم دور السكنى تفتقر لأسباب العيش. هذه العوامل وغيرها تؤدي إلى مدرسة مكتظة الأقسام، يرتادها أطفال موزعون بين من ولج التعليم الأولي ومن لم تطأه أقدامه، لتتعثر العملية التعليمية منذ بدايتها إلى نهايتها، وعلى صعيد جميع المستويات الدراسية، جراء العنف المدرسي وصعوبة التواصل، المؤديين إلى مستوى دراسي ضعيف  وتحصيل دراسي ضعيف، الناتج عنهما نتائج مدرسية ضعيفة وغير مؤهلة، لا تضمن مسايرة الدراسة بالشكل المطلوب ولا الحصول على شواهد أو دبلومات معينة.

أما المدرسة القروية فتختلف عن المدرسة الحضرية وشبه الحضرية أيما اختلاف، فالفرق شاسع وعلى جميع الأصعدة، الجغرافية والاجتماعية والتعليمية، إذ يتم إحداث المؤسسة التعليمية  بالوسط القروي عند تقاطع المسافات الفاصلة بين موقعها ومختلف الدواوير المحيطة بها، ليجد أغلب التلاميذ أنفسهم بعيدين عن المدرسة ويقطعوا مسافات طويلة مشيا على الأرجل أو ممتطين بهائم أو دراجات في غياب نقل مدرسي أو عمومي... يمرون يوميا بمسالك وعرة وطرق غير معبدة، في الغبار والحر صيفا، والأوحال والقر شتاء، وفي غياب مدارس جماعاتية وداخليات ودور للطلبة تضمن المأوى والمأكل والمشرب، لتوفر عن التلاميذ وأولياء أمورهم عناء التنقل وتكلفة التمدرس، وتضمن للتلاميذ تحصيلا دراسيا مقبولا ونتائج مدرسية مؤهلة. وكما يتنقل التلاميذ يتنقل المدرسون، بنفس الوسائل تقريبا، وفي نفس الظروف، ما يشكل حواجز نفسية أمام البذل والعطاء وتحقيق النتائج المرجوة، إذ ينضاف إلى ذلك عوامل محبطة متعددة، خصوصا بالنسبة للمقيمين من المدرسين، حيث يعانون ظروف السكن والمعيشة ، كما يعانون وطأة الافتقار لأسباب الترفيه والجرائد والصحف، فيتملكهم يوميا هاجس الانتقال لمغادرة، خصوصا، المناطق النائية عن المدن والمعزولة عنها حيث المسالك وعرة والطرق غير معبدة.

أما على صعيد الدراسات والتكوينات العليا، فتشهد الدراسة والتكوين اختلالات عميقة وتفاوتات شاسعة بين المؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح والمؤسسات ذات الاستقطاب المنتظم، حيث البنيات والخدمات تختلف اختلافا كبيرا. فالكليات ذات الاستقطاب المفتوح تشهد اكتظاظا مهولا وظروفا غير محفزة على البذل والعطاء، في ظل عدم تعميم المنح الجامعية، وعدم توفير الخدمات الاجتماعية من إيواء ومأكل ومشرب، وعدم توفر مراجع وكتب تضمن تكوينا متينا، ليبقى الطلبة عرضة للاستغلال وانتهاك حقوقهم في الدراسة والتكوين على قدم من المساواة بينهم وبين مرتادي المؤسسات الجامعية ومؤسسات تكوين الأطر الذين تتهيأ لهم جميع الظروف التي تضمن تأهيلهم للاندماج في الحياة العملية.     

آثار عدم تكافؤ الفرص التربوية والتكوينية:

حيث من الأطفال من يلج التعليم الأولي وبشكل متفاوت حسب طبيعة المقر والممارسات ومن لا يلجه بتاتا، وحيث مقرات وبرامج التعليم الأولي تشهد ظروفا واختلافات متباينة من التقليدي إلى العصري، وحيث المدارس على امتداد مختلف الأسلاك الدراسية والتكوينية تختلف حسب نوع التعليم والوسط، بنية وتجهيزا وخدمات تربوية ومدرسية وتكوينية، وحيث الدروس الخصوصية المؤداة تعمق الهوة بين التلاميذ تحصيلا ونتائج، فإنه لا بد للمرء ولكل متتبع أن يتوصل إلى الخلاصات والنتائج التالية:

نفسيا وتربويا:

إن التلاميذ يمتلكون من الذكاء الاجتماعي ما يمكنهم من مقارنة فوارق النتائج المسجلة لدى كل منهم وملامسة العوامل المؤدية إلى ذلك. كما يسجلون ببساطة التمايز والتفاضل الممارسين من طرف المدرسين الذين ينجزون حصصا مؤداة لفائدة البعض دون الآخر، حيث يتبادلون المعلومات حول واقع المؤسسات التعليمية الخصوصية والنتائج التي يحصل عليها التلاميذ مرتادو هذه المؤسسات والظروف المهيأة لهم والعناية التي يحظون بها. هذه الأمور وغيرها قد تؤدي، لا محالة، بالتلاميذ خصوصا أبناء الطبقات المتوسطة، منها، والفقيرة والمعوزة، إلى  الإحساس بالحرمان من تحقيق النجاح وهضم حقوقهم المدرسية والمهنية، والحيلولة دون إتاحتهم فرص الترقي الاجتماعي. كما يشعرون بالظلم والإحباط والإقصاء والتهميش جراء التمايز المدرسي والتربوي الحاصل على جميع الأصعدة، مما قد يجعلهم ينفرون من العملية التربوية والتكوينية، فيتقاعسون ويصابون بالوهن حين يشاهدون جهودهم تضيع سدى، ما يؤدي بهم إلى احتقار ذواتهم وقدراتهم  الشخصية، فيسود الفصول والفضاء التربوي صراع بين التلاميذ وتنافس غير شريف، وتنتشر حالات الفردانية والانطواء على الذات، وينتهجون سلوكات عدوانية قد تؤدي إلى الانحراف والانحلال الخلقي، ويلتجئون إلى العنف تجاه بعضهم وتجاه الأطر الإدارية والتربوية وتجاه المؤسسة التعليمية، وقد يسود الحقد على الفاعلين التربويين والمنظومة التربوية والتكوينية.  

مدرسيا وتكوينيا:

إن عوامل التمايز المسجلة والمثارة أعلاه، تؤدي إلى تعميق الهوة بين التلاميذ مدرسيا وتكوينيا، كما تؤدي إلى تفاقم الفوارق المدرسية والتعليمية بينهم، ليتم تسجيل انحدار النتائج المدرسية، بشكل مهول، من أعلى إلى أدنى الطبقات الاجتماعية، وحسب نوع التعليم وموقع المدرسة، وذلك من خلال نسب التمدرس، ونسب الاحتفاظ بالتلاميذ، ونسب الهدر المدرسي، ونسب النجاح في الامتحانات الإشهادية. هذه النسب التي تختلف بشكل بين من نوع تعليم إلى أخر، ومن وسط مدرسي إلى آخر، ومن مؤسسة تعليمية إلى أخرى، حيث تظهر هذه التفاوتات جلية على صعيد نسب الحصول على شواهد بمستويات الثالثة ثانوي إعدادي والسنة الثانية من سلك البكالوريا، إذ تناهز هذه النسب المائة بالمائة في عدة مؤسسات خصوصية، وتفوق السبعين بالمائة ببعض المؤسسات العمومية المتواجدة بالأحياء الراقية.  في حين تظل هذه النسب ضعيفة إن لم تكن ضعيفة جدا بالمؤسسات الحضرية الهامشية والمؤسسات القروية.

كما قد تؤدي عوامل التمايز المتطرق إليها آنفا والسائدة واقعيا، إلى عجز بين لدى التلاميذ الوافدين من المدارس الحضرية الهامشية والمدارس القروية على مسايرة الدراسة وتحقيق نتائج مؤهلة، حيث يصابون بالوهن ويضطرون لمغادرة الدراسة أو يدفعون إلى ذلك كرها، دون تأهيل لا أكاديمي ولا مهني، نظرا لفوارق التحصيل الدراسي الشاسعة بينهم وبين التلاميذ الوافدين من مدارس حضرية بأحياء راقية أو من مدارس خصوصية، الأمر الذي يؤدي إلى عدم قدرة أغلب المتعلمين الوافدين من المدارس الهامشية والقروية على تجاوز حواجز الالتحاق بالمؤسسات المهنية رغم بساطتها، نظرا لضعف تحصيلهم الدراسي ولعدم تمرسهم وانفتاحهم وتكوينهم الشخصي والذاتي، ما قد يضعف فرص التحاق المتعلمين الوافدين من المدارس القروية بمؤسسات التكوين المهني، نظرا لضعف مستوياتهم الدراسية وتمركز هذه المؤسسات بالأوساط الحضرية، حيث تغيب الخدمات الاجتماعية من منح وإيواء وأكل وشرب، في حين تظل هذه الفرص متاحة لجميع المتعلمين الوافدين من المدارس الحضرية التي تمنح مرتاديها مستويات دراسية مقبولة.

اجتماعيا واقتصاديا:

حيث الاضطرابات النفسية جاثمة على التلاميذ جراء تمايزات جلية على صعيد  الاستفادة من التعليم الأولي، وحيث الفوارق شاسعة على صعيد المدرسة الإعدادية والتأهيلية الخصوصية والعمومية، الحضرية وشبه الحضرية والقروية، وحيث الدروس الخصوصية المؤداة تؤدي إلى التفاضل بين التلاميذ على صعيد الفصول والنتائج المدرسية، فإن هذه الاختلالات تؤدي، من ناحية، إلى ضعف الوعي لدى الأمهات والآباء بأهمية تعليم أطفالهم، وعدم الاهتمام بالتمدرس وتتبع المسارات الدراسية للأطفال، ما ينمي ظاهرة الهدر المدرسي وضعف التأهيل المهني، وبالتالي ضعف الإنتاج والمردودية المدرسية. كما تؤدي، من ناحية اخرى، إلى فقدان الثقة في المدرسة، التي أضحت تميز بشكل جلي بين المتعلمين منذ التعليم الأولي إلى التعليم الجامعي وتكوين الأطر، مرورا بالتعليم الابتدائي والثانوي والتكوين المهني، وتعمل بمختلف الآليات على إقصائهم من الدراسة والتكوين عن طريق التمييز والتهميش، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع نسب الأمية التي تشكل العائق الأساسي للتنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية، وتشكل حواجز متينة أمام تحقيق الفرد والمجتمع أهداف النمو والازدهار والتقدم الصناعي والتكنولوجي.  فينهار الاقتصاد وتختل القدرات الشرائية، ويصبح النسيج الاجتماعي أكثر هشاشة، ويضعف انخراط المواطنين في التنمية البشرية والاجتماعية، حيث ينشغلون، فقط، بالحصول على لقمة عيش بأي طريقة كانت، وتنتشر مهن غير منظمة، ولا تخضع لمراقبة قانونية وإدارية: ماسح الأحذية، بائع السيجارة بالتقسيط، بائع شبكات الكلمات المتقاطعة وبرامج الرهانات ومختلف المسابقات الرياضية. كما تنتشر الدعارة والتسول اللذان أصبحا مهنة يرتادها من لا مهنة له، من الأشخاص الأميين والمحرومين وغير المؤهلين معرفيا ومهنيا، والمهمشين اجتماعيا واقتصاديا، وبالتالي  تنهار قيم التكافل والتعاون نظرا لسيادة حالة العزلة والانطواء جراء الانشغال والجري وراء متطلبات الحياة المعيشية، فيزيد الفقر والعوز استشراء ما قد تنتج عنه صراعات طبقية وتنافر اجتماعي.  

سياسيا:

ماذا ينتظر من مواطن غير مؤهل معرفيا ومهنيا جراء عدم تكافؤ الفرص التعليمية والتكوينية والمدرسية، يعاني الإحباط والتهميش اجتماعيا واقتصاديا غير العزوف عن المشاركة في تدبير الشأن الاجتماعي من خلال الانخراط الإيجابي في العمل الجمعوي والنقابي والحزبي والسياسي على الصعيد المحلي والجهوي والوطني؟

نحو إرساء فعلي لمبدأ تكافؤ الفرص التعليمية والتكوينية:

إن إصلاح المدرسة المغربية يقتضي محو الفوارق والتفاوتات الحاصلة على جميع الأصعدة، وذلك بالعمل على توحيد مقرات التعليم الأولي  ومناهجه وبرامجه وخدماته وتعميمه وإتاحته لجميع الأطفال ما دون سن التمدرس، لإعدادهم على قدم من المساواة وتكافؤ الفرص التعليمية، لولوج أسلاك التعليم بمستويات دراسية وتربوية موحدة ومؤهلة الجميع لمسايرة الدراسة المستقبلية دون تعثر، وتوحيد المدرسة على امتداد جميع الأسلاك الدراسية، منذ التعليم الابتدائي إلى الالتحاق بالتعليم الجامعي ومؤسسات تكوين الأطر لإعداد الأفراد للاندماج في الحياة المهنية والعملية وذلك بتعميم خدمات التعليم والدراسة  والتصدي لممارسة الحصص الإضافية المؤداة، التي تعتبر استغلالا وخرقا لقانون الوظيفة العمومية ولحقوق المتعلمين، والاحتفاظ بالتلاميذ والطلبة إلى غاية تمكينهم، على قدم من المساواة، من تحقيق مشاريعهم الشخصية والمهنية والأهداف التي يرسمونها لأنفسهم.

  المراجع:

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الجمعية العامة للأمم المتحدة، 10 دجنبر 1948، قصر شايو باريس، فرنسا؛

إعلان حقوق الطفل، 20 نونبر 1959، الجمعية العامة للأمم المتحدة؛

الميثاق الوطني للتربية والتكوين، 2000، المغرب؛

القانون 05.00 بمثابة النظام الأساسي للتعليم الأولي؛

القانون 06.00 بمثابة النظام الأساسي للتعليم المدرسي الخصوصي؛

(٭)مفتش التوجيه التربوي، مكناس.

مواضيع مختارة

إجراءات التقويم التكويني الخاصة بالمدرس

ذ. مراد ليمام

ٳن المراهنة على النوعية والجودة عند أي إصلاح تربوي يتوقف على الخيارات الإستراتيجية المتبناة للتقويم والمؤسسة للمقاربة البيداغوجية المراد تنزيلها لإطلاق صيرورة الإصلاح المنشود.

إقرأ المزيد...

الرفع من جودة التربية والتكوين

المجال الثالث : الرفع من جودة التربية والتكوين

104 - يستجيب الرفع من جودة أنواع التعليم من حيث المحتوى والمناهج, لأهداف التخفيف والتبسيط والمرونة والتكيف.

إقرأ المزيد...

المتصلون حاليا

110 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع