عادل اليمني : أستاذ باحث في علوم التربية.

يعاني التعليم في بلادنا من عدة مشاكل تقف حجر عثرة أمام تقدمه وازدهار، وتحقيقه لأهداف وغايات المجتمع المغربي؛ وفي هذا السياق، تمثل ظاهرة الغش المدرسي إحدى أبرز هذه المشاكل وأخطرها.

-         فما عوامل هذه الظاهرة؟

-         وما أبرز الحلول التي يمكن أن تساهم في الحد منها؟

مما لا شك فيه، أن الساهرين على القطاع التعليمي بالمغرب، وخاصة الأساتيذ منهم، يلاحظون التزايد الرهيب لظاهرة الغش المدرسي وسط التلاميذ في جل المراحل الدراسية، وخاصة المستويات الإشهادية منها، ما يدفع ذوي  الضمير الحي منهم إلى طرح تساؤلات استفهامية حول أسباب هذه الظاهرة المقيتة، وبالتالي البحث عن بعض الحلول الناجعة والكفيلة بمواجهتها.

إن العوامل المسؤولة عن هذه الظاهرة الفاسدة متعددة ومتشابكة، منها الظاهر ومنها الباطن، وانطلاقا من ملاحظاتنا وتجاربنا المتواضعة سنحاول رصد بعض هذه الأسباب :

-         طبيعة المناهج والمقررات الدراسية ومدى تلاؤمها مع الوقع التعليمي المغربي :

 إذا كان المغرب قد اختار السير على خطى بعض البلدان في الإنتقال من المقاربة الإلقائية الممثلة في بيداغوجيا الأهداف، إلى المقاربة بالكفايات المتمثلة في البيداغوجيات الحديثة، فإن هذا الانتقال قد اصطدم بعدة عراقيل ومعيقات، وخاصة على مستوى التطبيق؛ فالعمل بمقاربة الكفايات يحتاج إلى شروط لا تتوفر في بلدنا العزيز ومنها :

ü            عدم توفر التقنيات الحديثة اللازمة بمؤسساتنا التعليمية، وغياب هذه التقنيات لا ينكره سوى جاحد أو جاهل بواقعنا التعليمي.

ü            ارتفاع عدد التلاميذ داخل الحجرات الدراسية، فلا يعقل أن يطبق الأستاذ تقنية عمل المجموعات وغيرها من طرق التعلم الذاتي في فصل يتجاوز عدد تلاميذته العشرين، بل إن بعض الحجرات قد تجاوزت الخمسين تلميذا، ما يجعل المدرس، يخطط لضبط القسم ولا شيء سواه؛ لاجئا بالتالي إلى شحن أذهان المتعلمين بالمعارف؛ وهو ما يدفع بالمتعلم إلى اعتماد الغش في الامتحانات لمواجهة التراكم المعرفي.

ü            عدم المرونة في تطبيق هذه المقاربة بين المراحل الدراسية، من خلال تتبع نتائج المراحل الدنيا والوقوف عند مدى تحقيق الأهداف المسطرة لها، قبل الانتقال إلى المرحلة التي تليها.

ü            وضعية التلميذ المغربي : إن هيئة التدريس باتت على بينة من تشتت ذهن التلميذ المغربي، فهذا الأخير باتت المدرسة آخر اهتماماته، خاصة بعد التأثير الصارخ الذي أحدثته وسائل الإعلام والتكنولوجيا، فبات التلميذ يجد لذته في مشاهدة الأفلام والمسلسلات التي لا تلائم، في الحقيقة، المستوى العمري لهذه الشريحة من المجتمع، كما لا يمكن لتلميذ يسهر ليله غارقا في المواقع الاجتماعية الشهيرة أن يساير متطلبات دروسه وواجباته المدرسية؛ وبالتالي البحث عن أسهل الحلول لتجنب الرسوب. 

ü            الواقع المجتمعي : لا ينكر عاقل أن مجتمعنا غارق في الفساد بجميع أشكاله؛ فنلاحظ الغش والتعاملات غير الشرعية في مؤسساتنا العمومية عامة؛ من قبيل التماطل في قضاء الخدمات الواجبة، التعامل بالرشاوى، الإفراط في البيروقراطية؛  فأصبح جل أفراد مجتمعنا ميكيافيليون رافعين شعار "الغاية تبرر الوسيلة"، وكل هذا الفساد المستشري في المجتمع لا يمكن ألا ينعكس على التلميذ المغربي؛ فهذا الأخير لا يتعدى كونه مرآة عاكسة لمجتمعه.

ü            مسؤولية بعض رجال التعليم : لا يمكن إنكار مسؤولية بعض رجال التعليم في انتشار ظاهرة الغش المدرسي، ولو بقسط يسير، فنجد بعض أساتذة التعليم الابتدائي يكتبون أجوبة الامتحان على السبورة أثناء الامتحان الإشهادى للمرحلة الابتدائية، كما نجد بعض أساتذة المستويات الإعدادية والتأهيلية يتساهلون مع تلاميذتهم في عمليات الغش أثناء فروض المراقبة المستمرة؛ وبالتالي فهذا ما يساهم في تنمية هذه العادة السيئة لدى التلميذ المغربي منذ طفولته؛ حتى بتنا نجد بعض المتعلمين يعتبرونها حقا مشروعا لهم، خاصة في امتحانات نيل شهادة البكالوريا.

كل هذه العوامل تستلزم إيجاد حلول ملائمة لمواجه ظاهرة الغش المدرسي؛ نقترح منها التالي :

-         الإصلاح الأصلح للمدرسة المغربية وملاءمتها مع خصوصيات الواقع المغربي عبر :

ü     إعادة الاعتبار لصرامة المؤسسة والذي فيه عودة سمعة المدرسة المغربية؛ فأحداث الشغب التي ميزت مؤسساتنا في الآونة الأخيرة يندى لها الجبين؛ ولا بد من ردعها بأنجع الأساليب وأكثرها زجرا، حتى تسهل مأمورية المدرس في تكوين المتعلم الصالح الذي نصبوا إليه جميعا.

ü     محاربة كل عوائق التحصيل الدراسي الفعال من؛ اكتظاظ، ضعف التجهيزات، تحسين الوضعية الاجتماعية للأطر التربوية وخاصة المدرسين منهم.

ü     صلاح المجتمع : والذي يتحقق عبر سهر السلطات الحاكمة على تنمية الشعب المغربي عبر حماية حقوقه من كرامة ومساواة وعدالة اجتماعية، وكذا التركيز على الجانب الأخلاقي والديني خاصة في المستويات التعليمية الدنيا.

 ولعل هذا ينعكس على الأسر المغربية المطالبة بالمساهمة في تكوين المواطن الصالح الذي يحتاجه بناء المجتمع؛ ففي الأسرة ينهل التلميذ أولى أسس الاستقامة من احترام الكبير والاخلاص في العمل وحب الوطن وغيرها من الخصال الحميدة، التي لا يمكن غرسها في التلميذ إلا بالحضور القوي للأسرة الصالحة؛ وقد أثار دهشتي دفاع بعض الأباء والأمهات في بعض مناطقنا المغربية، عن حق أبنائهم في الغش، بل هناك منهم من يساعد أبناءه على ذلك قبيل فترات الامتحانات –شراء أحدث الماركات الهاتفية التي تفي بالغرض، تصغير الدروس أو ما يعرف بين المتعلمين "بالحجابات"- وغيرها من الطرق غير المشروعة، فعن أي إصلاح نتحدث وأمثال هؤلاء موجودون؟

لقد كان هدفنا من خلال هذا المقال المتواضع إثارة أحد أبرز المواضيع الذي ميز الساحة الوطنية في الفترة الأخيرة، والذي يعتبر من أكثر المواضيع المعقدة والشائكة، والتي تتطلب مواجهتها تضافر المجهودات الجادة والحازمة لجميع مكونات المجتمع.

ختاما، وبناءا على ما سبق، نستخلص أن ظاهرة الغش المدرسي ما هي سوى مرآة تعكس واقعنا المجتمعي؛ ولا نشك في أن تغير هذا المجتمع نحو الصلاح يمثل استقامة سائر مكوناته، وعلى رأسها المكون التعليمي، ولا يفوتنا الاستشهاد بآية كريمة في هذا الباب تؤكد أن صلاح المجتمعات لا يتأتى إلا بمجهودها وإرادتها الذاتية؛ حيث يقول عز وجل "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ"

[1]- سورة الرعد الآية 11.

مواضيع مختارة

التربية بالقدوة

"رؤية الكبار شجعان هي وحدها التي تخرج الصغار شجعان، ولا طريقة غيرها في تربية شجاعة الأمة"

إقرأ المزيد...

التكوين المهني شعبة قائمة الذات ضمن إمكانات التوجيه

بقلم: نهاري امبارك

مقدمة:

حيث، يعتبر قطاع التكوين المهني، مكونا ندا لقطاع التربية الوطنية ضمن منظومة التربية والتكوين ببلادنا، كما يعتبر سيرورة تكوينية وتعليمية ، تمكن التلاميذ والشباب الملتحقين بإحدى التخصصات المهنية،

إقرأ المزيد...

المتصلون حاليا

111 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع