الأستاذ رشيد اليملولي

إن أي حديث عن التعليم دون ربطه بالمشروع المجتمعي و الحضاري ، يوصف بالحديث الذي لا أساس له و لا معنى ، أي أن الفلسفة التربوية تتأتى من طبيعة المشروع المجتمعي و الأفق المعرفي و الثقافي

الذي ترتضيه دولة بفاعليها و مكوناتها ، و على هذا الأساس يتم الخلط كثيرا بين الإصلاح و التطوير و التغيير ؛ فالإصلاح فلسفة و إجراء يستهدف تجاوز الخلل الذي قد يطال مسار المشروع ، في حين أن التطوير سعي لرفع الكفاءة و النجاعة في الأسلوب و الهدف ، في وقت يعني التغيير في المبدأ و الدرجة من وضعية إلى أخرى ، أمام كل هذا نستطيع أن نقول أن التجربة الحضارية المغربية أبانت عن قدرة كبيرة في ابتلاع المجتمع ووضعه رهن إشارتها ووفق إرادتها بشكل جعل هذا المجتمع ذيليا و مغلوبا على أمره ، و غير قادر على المبادرة و الفعل حتى يتسنى التغيير لما يخدم المشروع الحضاري الذي يرتضيه المجتمع سبيلا ، و من كبرى علامات هذا الاهتراء و الضعف فشل الدولة بفاعليها في خلق الإنسان المدني ، و تحويل النظام الاجتماعي و الثقافة العامة إلى روافد ينتجها التعليم عوض أن تكون روافد توجه التعليم و تؤثر عليه ، و من جانب آخر تجابه عملية بناء دولة المؤسسات و المجتمع الحديثين بعوائق ترتد في طبيعتها إلى نوعية التعليم و أفقه .

 

نؤسس لهواجسنا التربوية مع بداية المشروع 2015 ـ 2030 ، انطلاقا من الجانب التربوي عبر تساؤل إشكالي : هل المشكلة في أداء المعلم أم في تحصيل المادة ؟ و هل أداء المعلم يمثل انعكاسا لتحصيل التلميذ ، أم أن تحصيل التلميذ هو الذي يلقي بأثره على أداء المعلم ؟ .

إذا كانت الصعوبة تكمن في تحديد الطرف المسؤول ، فإن الأمر موكول في أساسه الفلسفي إلى البنية المعرفية و التنشئة الاجتماعية التي تميز المجتمع برمته ،  فعلى المستوى المعرفي تفرض الضرورة العلمية على الإطار التربوي القيام بدراسات تربوية تجمع بين تاريخ التربية و فلسفة التربية و النظريات الاجتماعية ، توازيها في العمق دراسات معمقة في الحقل المعرفي الذي تخصص فيه و الذي يدرسه ، هذا الأساس يمكنه من امتلاك خلفية ثقافية واسعة في الفلسفة و العلوم الإنسانية من اجتماع و سياسة و أدب ... يستطيع بوساطتها تغيير عقل التلميذ و فتح مداركه الذهنية على المفاهيم المعرفية ، و في السياق ذاته تجديد الطاقة المعرفية و الثقافة التربوية في بعض فترات السنة عبر مقابلات و تكوين مستمر يرتبط بقضية التدريب الدائم و المتعلق بالتغير المستمر الذي تعيشه المجتمعات ، مع ضرورة توخي المرونة و الحركية اللازمتين لتحقيق التغير المنشود ، ما دام أن إدارة الصف لا تتعلق بالضبط فقط ، بقدر ما تهم فن التعامل مع مكون بشري متغير في حالة نزوع و سيرورة مستمرة ، و هذا ما يتطلب بالموازاة مع ذلك تفعيل طاقات المتعلم ، هذه الرغبة تفرض شرطا مسبقا و هو أن تكون الكليات التي تستهدف تكوين و إعداد الإطار التربوي صانعة للمعرفة بالضرورة ، من خلال الأبحاث التربوية التي تشكل رافدا علميا و تربويا لصانع القرار السياسي و التربوي ، و مسهمة في إعداد متخصصين في تحليل الظاهرة التربوية تحليلا شاملا ورصينا .

طبعا الحديث عن الإطار التربوي و مرجعيته التكوينية ، يستلزم توفير بيئة مدرسية تساعد على تعميق القيم التربوية النبيلة وتعزز وجودها ، من قبيل القدرة على التفكير الحر و النقد البناء و العصف الذهني ، و يقتضي ذلك تحويل المدرسة إلى وحدة تربوية مستقلة قائدها مدير يتوفر على شهادة عليا في الإدارة المدرسية ، عوض الأشكال الإدارية الأخرى المتعارف عليها ، و التي تفيد بوجود إشكال القيادة التي لا تملك القدرة على الخلق و التنفيذ و تختزل العملية في البيروقراطية الفجة ، و سلطة الاستقواء و التعالي ( نقصد هنا الترهيب القائم على التقارير و النقط الإدارية و افتعال سياسة الأحلاف) ، و نعتقد أن صنع القرار أحيانا تكون تبعاته أعمق من الخطأ نفسه ، و مع ذلك تمر مرور الكرام على الرغم من تأثيرها في العملية التعلمية ( ضرورة قيم المحاسبة ) .

ركزنا في هاجسنا التربوي ـ من وجهة نظرنا الشخصية ـ على الإطار التربوي بحكم احتكاكنا ، و الذي مكننا من ملاحظة آفة التخصص و البعد النفعي و الفراغ المعرفي و الثقافي ، و تغييب الرسالة الحضارية في تكوين طلائع المستقبل مهما كانت طبيعة الوضعية و الظرفية ، كما أن فلسفة التقييم الإداري و الترقية المرتبطة بها تسهم بشكل كبير في سيادة  هذه الآفة ، و إذ نطالب في هذا المقام بتغيير أسلوب التقييم الإداري بحيث يركز على رصد الاختلالات وضرورة تجاوزها في اللقاءات التربوية من خلال إيجاد حلول لها ، نلح على فرض و إجبار المستويات التعليمية كافة على مناهج ووحدات دراسية تهم التربية الموسيقية و الرياضية و الجنسية و بصفة عامة الإنسية ، لأن من طبيعة هذه المواد إثراء الذائقة الإبداعية لدى المتعلم و الرقي به و إعلاء الجوانب الإنسانية فيه .

           الأستاذ رشيد اليملولي

         عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مواضيع مختارة

التفتيش التربوي.. مهنة أم وظيفة أم مجموعة مهامّ؟

في البداية، لا بد من القول إنّ مسألة الهوية مرتبطة اجتماعيا وسيكولوجيا بفكرة التموقع أو التموضع داخل نسق معين،

إقرأ المزيد...

هل ينهي برنامج مسار موسم تسول النقط؟؟

الكبير الداديسي

اعتاد الفاعلون في مجال التدريس مع نهاية كل دورة طفو ظاهرة  تسول النقط على الساحة التعليمية إذ يلجأ التلاميذ الأكثر جرأة إلى محاولة  إقناع المدرسين بأن يكونوا كرماء،

 

إقرأ المزيد...

المتصلون حاليا

66 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع