رشيد اليملولي

تقتضي القراءة المتأنية لأي مشروع استحضار الشروط العامة التي أسهمت في صياغته ، و مجمل الأهداف و الآفاق التي يروغ تحقيقها في المدى المتوسط و البعيد ، فإذا كان المسعى البيداغوجي و التربوي يستهدف تكوين طليعة مؤهلة معرفيا و منهجيا ، فإن هذا المطلب يتوقف على الآليات المعتمدة لتيسير و تسهيل العملية ، حتى تحقق قدراتها و كفاياتها ، أما إذا كان الهدف ينطلق من روح مؤامرة و رغبة في التمايز فغالبا ما يكون مآل مشاريع ايديولوجية ( الانتصار المسبق و بناء الأنساق الهشة ) من هذا القبيل محدودية الفعل و الأثر حتى لا نقول الفشل و الموت الحضاري .

    تنطلق فلسفة الروائز في المرحلة الثانوية من " هاجس " تربوي يقوم على تقدير مساحة الكفايات و القدرات المعرفية و المنهجية في الحقول المعرفية المرصودة لهذه الغاية ، بغية التماشي مع نوعية التلميذ ـ العامل الذي يتطلبه السوق ، و ما ترتضيه سياسة الدولة في تغطية الفراغات المرتبطة بهذا المطلب ، في أفق جسر الهوة بين التكوين والتأهيل ، و سعيا لتحفيز التلاميذ للعطاء أكثر خاصة في المجالات ذات الصلة بهذه الاختيارات ( العلوم " الحقة " و اللغات ) .

غير أن هذا الهاجس و الرؤية التربوية  تهفو نحو تأسيس " الفراغ " القيمي أكثر مما تسعى نحو تكوين الكفاءات العلمية المتعلقة بهذا الحقل أو ذاك ؛ فالأساس المنهجي في العملية يقوم على مغالطة معرفية و " خطأ " تاريخي فادح ، يبني عوالم خيالية عبر تجدير التمايز ما بين التخصصات ذات الصيغة العلمية و الأدبية و الإنسانية ، ويروم تجسيد و تعميق هذا التباين و تكريس طابع الأفضلية ما بين التخصصات المعرفية التي تشهد الابستمولوجيا أنها أصبحت متداخلة و مركبة ، و إقامة التمايز هو ما يبني لمفهوم العائق الابستمولوجي و العقلية الماقبل علمية بتعبير غاستون باشلار ، على هذا الأساس تعد الروائز صيغة تحفيزية لإنتاج المضامين غير المعرفية لأنها تلغي التساؤل ، و تقبر مناطق الإحساس و الحدس و المؤشرات الأخرى الدالة على الذكاء النوعي و المتنوع بتعبير غاردنر ، بل و تلغي علنا تقاطع المشارب البيداغوجية في تكوين أجيال متكاملة البناء .

هذا العوز ـ العائق ينشر مناخا نفسيا غير سليم داخل الوسط التربوي ، إذ يؤسس لاقتناع التلاميذ بلا جدوى و فائدة تخصصات بعينها مقابل رقي أخرى ، هذا المناخ النفسي قد يغذي الهدر و ينبت العنف لإثبات الذات و التعبير عن موقف الرفض ، بل الأدهى أن يودي ذلك إلى الاستقالة المبكرة من العطاء المعرفي داخل الأوساط التربوية فيما سمي عند الأستاذ الجابري ( رحمه الله ) بالعقلية المستقيلة التي تشكل الروائز بمفهومها الحالي حاضنتها الطبيعية الأولى و المبكرة .

    إن المشروع الحضاري الذي قامت عليه علوم ما بعد الحداثة هو القدرة التفسيرية النسبية التي لا ترى الحقيقة الكاملة و النهائية في تخصصات بعينها ، بقدر ما ترى وجاهتها العلمية في تكامل و تنوع الروافد المرجعية للبناء المعرفي للتلميذ (ة )  ، لهذا لا تكتسي الروائز الانتقائية صفة التقدير العلمي ، و تفتقد روح الإبداع و الابتكار و الخلق ، فالعلوم الإنسانية و الآداب و كل التخصصات لا تتخلف قيد أنملة في بناء الحضارة الإنسانية وتزويدها بمصادر التألق و خدمة المعرفة ، لأنها من الإنسان و إليه و له .

بناء على ما سبق ترمي الروائز لاستنبات " الطبقية " المبكرة و التصنيف القبلي و بناء أجيال مبتورة و معاقة ذهنيا من خلال تغييب الثقافة المدنية و السلوك الإنسي ، و القيم الكونية القادرة على التخفيف من غلواء المعرفة التقنية ذات الجوهر الأداتي ، و الذي يمرغ الذات الإنسانية في براثن النظرة الأحادية و الخطية ، و لا تخفى مثل هذه البنية على علم النفس لما تنتجه من ذوات مغيبة سوسيولوجيا و انتربولوجيا ، بتعاليها على " الأشياء البسيطة " و التي تعشش فيها الايديولوجيا من خلال تبسيطها و تحقير النظر إليها ، لأنه بكل بساطة لا تدخل في إطار المعرفة الحقة و المنظمة علميا ، و حتى يتم تجاوز لغة الوصايا و التبسيط المعرفي نرى ضرورة إلزام كل التخصصات بروائز تقييمية تتكامل فيها كل المعارف القادرة على تفسير الإنسان و محيطه ، سندنا في ذلك العديد من الأبحاث التي أكدت على أن غياب مثل هذه المشاريع هو ما أنتج العنف و التصنيف الذي لا يؤمن بقيم التسامح و الديموقراطية و الحرية و الاختلاف ، و أضحى الطالب " العلمي " مرادفا للتطرف و الخطية التي لا تنسجم مع روح و فلسفة التساؤل و التجربة ، فهذا النوع من الذهنية المتعالية هو الذي أنتج مركزية التأويل الأوحد و التفوق الآري في خطاب الحداثة الأوربية و مهد للاستعمار  الأوربي ، بشكل أفضى إلى الحرب الكونية الأولى و الثانية ، و أنتج على مستوى العالم الإسلامي موجة من التطرف و المغالاة و عقليات رد الفعل ، لضعف عقلية العلوم الإنسانية في التعامل مع الظواهر العلمية .

من جانب آخر يفرض هذا الوضع إعادة النظر في مسألة التقييم بتجاوز سورياليته ، و التي تنفخ في بناء الذوات الهشة و تعلي من قيمتها ، دون تقييدها بالحدود النسبية التي تعلم الشك و تبني نسق التساؤل و تزدري الاستسهال و تمج المعرفة الجاهزة و تبتغي النضال المعرفي ، و ذلك باعتماد منظومة تقييم تمكن التلميذ (ة) من طرح و إعادة طرح في أفق طرح تساؤلات جديدة ، لا تمكن من اليقينية بل توفر سبل التأني و تنويع مصادر البحث و المعرفة ، كأن " نفرض " حصصا خاصة بالمكتبة تخصص للقراءة ، و إضافة حصص للفنون الجميلة و ممارسة الأنشطة الرياضية و البيئية ، و زيارات للسجناء و المرضى و العجزة و المتخلى عنهم ، و كلها صيغ قد تفيد في بناء الإنسان عوض أن تؤسس لإرادة التفوق و القوة .

يحكى أن الصين أرادت ببناء سورها العظيم حماية نفسها من الغزاة ، لكن رغم ذلك لم تسلم من دخول هؤلاء و تهديد الامبراطورية ، و لما بحثوا عن السر الذي مكن الغزاة من الدخول بالرغم من منعته ، اكتشفوا سرا غريبا هو أن الغزاة تمكنوا من إرشاء الحارس و من ثم الدخول إلى قلب الامبراطورية ، فعلموا أن بناء الإنسان أعظم و أجل من بناء الأسوار بالأحجار .

       الأستاذ رشيد اليملولي

      عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مواضيع مختارة

البيداغوجيا الفارقية

تعريف:

هي بيداغوجية السيرورات أنها تعتمد إطارا مرنا حيث تكون التعلمات واضحة و متنوعة بما فيه الكفاية حتى يتعلم التلاميذ وفق مساراتهم في امتلاك المعارف أو المعرفة –الفعل .

إقرأ المزيد...

المناظرة :آلية لتدبير الاختلاف داخل الفضاء المدرسي

عبد الرحيم الضاقية

تعرف الساحة التعليمية وخاصة المؤسسات الاعدادية والتاهيلية في الآونة الأخير احتقانا علائقيا بين مختلف مكوناتها ، حيث أصبح العنف والمجابهة 

إقرأ المزيد...

المتصلون حاليا

96 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

آخر الأعضاء المسجلين

  • Cidessenak
  • RobsagTweks
  • MSVCP140.dll
  • atkidexepove
  • Williamlob
  • kaoutar
  • مصطفى
  • testreg2016
  • الداودب
  • mayrawen

تسجيل الأعضاء