رشيد اليملولي

    تستمد المشاريع التربوية فلسفتها و نزوعها ـ طبعا في مفهومها المعاصر ـ من الاستثمار في العنصر البشري ، أي إنتاج و صناعة الفرد و بالتالي المجموعة و من ثم المجتمع و الدولة ،

و هذا الإنتاج لا يأخذ صفة " التبضيع " و التشيء ، بقدر ما يأخذ صفة القدرة على التعالي على المنطق الليبرالي ـ السلعي ، و يستكين إلى مفهوم القيمة المعرفية و العلمية المتوخاة من هذا الاستثمار ، لذلك أي سياسة أو مشروع مهما كانت ظرفيته التاريخية ، لا يرتبط بهذا " الوجود " و الأساس الذي بنينا عليه القول ، يعد بالضرورة استثمارا فاقدا لشرعيته التربوية و مشروعيته الاجتماعية و التقنية و تحديدا السياسية .

   أفرز الانتقال من التدريس بالأهداف إلى الصيغة الحالية و هي التدريس بالكفايات ، بما تقتضيه من أسس معرفية و منهجية و تربوية نقلة تستهدف في المبنى تزويد و تمكين المتعلم من آليات الاندماج في المحيط و المجتمع ، و تأهيله للخوض في ثنايا و منعرجات الحياة الاجتماعية و العلمية .

و إذا كان هذا المسعى يرنو تكوين المتعلم من خلال صيغة " تعلم و تعليم " ، فإنه مرهون بطبيعة الرؤية و القيمة الممنوحة للأساليب التربوية و الدعامات المقومة لها ، و مشفوع بالمناخ العلمي المغذي لهذه القيم ، ففي الأساس لا تمنح الكفايات تلك القيمة إلا إذا وازاها تربويا تكوين مستمر للكفاءة التربوية و الإدارة المدرسية ، و تحيين لأدوات الاشتغال ، و ارتباطا بهذا المسعى تبدو الحصص التربوية فاقدة لجانب مهم من معناها و مبناها ما دامت تركز على الكم و لا تراعي الكيف باعتباره الضمانة الدالة على الجودة و " التجويد " ، والتي لا ترقى إلى هاجس يؤرق ، بقدر ما تتحول في الكثير من الأحايين إلى شعار للتسويف و صيغة للتموقع طاووسيا بين الخطابات الرنانة .

   و تجنبا لكل كلام فضفاض و انسجاما مع روح المسؤولية التي تؤطر عملنا في المجال التربوي يوميا ، نقترح بعض الأفكار التي من شأنها تقديم إضافة معنوية ، و قد لا نغالي إذا حسبنا أنها قد تشكل حافزا للعمل .

   ننطلق في هذا الاقتراح من المعاينة في سلك الباكالوريا ( أدب و علون إنسانية ) تحديدا ؛ فمن الثابت أن الحصص في المواد الإشهادية تشمل اللغة العربية و الفرنسية إضافة إلى الفلسفة و التاريخ و الجغرافيا ، و هي جوهر الاهتمام خاصة في السنة الثانية من هذا السلك .

    أول ما يثير الانتباه حجم الحصص ؛ و التي تبدو لنا مرهقة في البعد الزمني ( 5 ساعات بالنسبة للعلوم الإنسانية في التاريخ و الجغرافيا ) ، و مكلفة تربويا و علميا ، أي أن كم الوحدات الدراسية يتجاوز قدرات المتعلم و طاقته الاستيعابية خاصة في مادة اللغة العربية و الفلسفة و التاريخ و الجغرافيا ، بشكل يجعل من لحظة الامتحانات الوطنية لحظة قلق و ضغط قد يصل أحيانا إلى الاستسلام إلى فنون الغش و ألاعيبها التي زكتها التكنولوجيا ، و يجعل من العملية في بعدها المعرفي و التربوي لحظة فقدان الثقة في الذات و من ثم إقبار الكفايات باعتبارها منهجية للتأهيل و التكوين ( هذا الإحساس  مستمد من معاشرة يومية و تعايش سنوي مع ظاهرة الغش و عدم الثقة في النفس و بخطاب عنيف أحيانا ) .

و في هذا الصدد ؛ نقترح أن يتم تخفيض الوحدات و استبدال هذا التخفيض بساعات القراءة ( عوض 5 ساعات في الأسبوع تصبح 3 ساعات مقابل ساعتان لعلم المكتبة ) ، و أستمد جوهر هذا الاقتراح من الضعف الذي يعتري قدرات و كفايات المتعلمين سواء في التعامل مع النص أو الوثيقة أو وسائل التعبير في المواد ذات الصلة ( اللغة العربية و الانجليزية و الفرنسية و الفلسفة و التاريخ و الجغرافيا ) ، دون أن نتجاهل الضعف البين في اللغة و التعبير و الأخطاء البسيطة التي نعايشها في التقويمات الخاصة بكل مادة .

و سر هذا الاقتراح يكمن في فضاء المكتبة ؛ باعتباره عنصر محفز على القراءة يعلم الإنصات و الهدوء و الاستكانة إلى ثقافة الكتاب التي تكون قيمة نضالية لدى المتعلم من خلال المثابرة في الحصول على المعلومة و كيفية الحصول عليها ، و اللغة التي كتبت بها ، بشكل قد يجعل من هذا العلم مدرسة أخرى قد تنتفي فيها السلطة المتأتية من فضاء القسم و الأستاذ ، و تبقى مسؤولية الإدارة التربوية و الأستاذ أساس لا محيد عنه في توفير سبل إنجاح هذه العملية ( الإدارة التربوية بتوفير القاعات اللازمة و الأستاذ بتحديد مرجعيات القراءة في كل مادة على حدة و لو اقتضى الأمر كتبا في الشهر يراعي الفئة و قدراتها ) .

   نحسب أن إعادة الاعتبار للقراءة و الكتاب ،قد يخفف من أعباء العنف و الفراغ القيمي ، و يقلل من الضعف في الملكات اللغوية و النقدية لدى المتعلمين ، و ملكة اتخاذ المواقف و بناء الشخصية و من ثم قد نتحدث عن مشروع للقراءة في الأوساط التعليمية .

           الأستاذ رشيد اليملولي

           عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مواضيع مختارة

مقاربات معالجة اختلالات التعليم

لا يختلف اثنان على أننا في حاجة ماسّة إلى مدرسة عمومية قوامها تكافؤ الفرص وضمان الجودة وتنمية الإنتماء إلى هذا الوطن، غير أن هذه الشعارات تحتاج إلى الإبداع والخلق،

إقرأ المزيد...

أسئلة الأطفال وعلاقتها في تنمية القدرات العقلية وآفاقها ..عند الطفل

حسين محي الدين سباهي،سوريا

أيهما يعبر أكثر عن درجة ذكاء الطفل, ومدى نموه العقلي:هل هو ما يرد به من إجابات صحيحة على أسئلة الكبار...؟ أم ما يطرحه من أسئلة واستفسارات,يطلب بها إجابات من الكبار؟

إقرأ المزيد...

المتصلون حاليا

104 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع