رشيد اليملولي

   إن الحديث عن الاستقالة مهما كانت طبيعتها ، هو بالضرورة حديث عن الانسحاب الوظيفي من مهمة ما ، بدعوى أسباب ذاتية أو موضوعية ، و قد تتحول هذه الاستقالة إلى أزمة حضارية في حالة الاستقالة من حقل العقل و العلم و المعرفة ، و من ثم التقعيد اللامشروط بقيم التبعية و التقليد ، و النهل من أتون الرجعية و مزبلة التاريخ ، و تغدو القيمة الحضارية أشبه مما لخصته العرب في قولها :" أهون من جعل على قمامة " .

   غير أن الاستقالة من الجانب التربوي و التعليمي ـ التعلمي قد تضفي على الأزمة طابعا بنيويا ، يختصر و يختزل الوظيفة بالمعنى الشعبي و الفلسفي معا في الأسلوب التقريري ـ التلقيني ، الذي لا ينوع من مصادر بناء المعرفة و تزميرها بأنشطة توازي من حيث القيمة الوحدات و كيفية بناءها داخل الفصل الدراسي ، و الاشتغال على القيمة الحوارية و التواصلية بمعناها المعرفي في العروض و التقارير التي تصادف المواثيق الدولية و الأعياد الوطنية و الأيام العالمية ، بغية ترسيخ قيم الشخصية العلمية و المعرفية و الإنسانية التي تحبل بالأنسنة و النسبية ، و القدرة على التجاوز و التسامح و تقدير قيمة الاختلاف ضمن الوحدة ، و نبذ الإطلاقية و الشمولية و الأفضلية المتأتية سواء من العرق أو الدين أو القبيلة أو الحضارة .

    إن الوظيفة التي يمارسها رجل التربية ، لا تقتصر على أداء الوحدات و التلقين و الانسحاب التام من " الهوامش " التربوية في العرف المغلوط لدى عينة كبيرة من الأساتذة ( بالمعنى التقنوقراطي و التقني ) ، و نقصد الأنشطة الموازية ، قد ينتج عنه قيم سلبية تجعل من الفضاء المدرسي مكانا لأداء دور تقني تستلب فيه الذات ، و يغدو رقما لإتمام الحصص و تنفيذ المقررات ، انطلاقا من مرجعية تقريرية تفتقر إلى الهوس و القلق الحضاري المنتج للمعنى الحضاري ، و هو أساسا و تحديدا المراتب المتدنية في التعليم على الصعيد العالمي و إنتاج الثروة بالمعنى الرمزي ، و ذلك بتبرئة الذات و صيانة عرشها من الشوائب التي تعلق به ، في حين أن المسؤولية في هذا الصدد مشتركة ، قد لا نغالي إذا ما حسبناها مركزية لدى الأستاذ ، لتغدو الاستقالة المدعومة بضغوط الحياة اليومية اقتناعا يعلق عليه الأستاذ " ضعفه " و انسحابه من تحمل المسؤولية و عدم رغبته في العطاء و البناء ، كيفما كانت ظروف المحيط و المجال الدراسي محبطة ، و تحميل الدولة و الإدارة مسؤولية " الهزال " العلمي و المعرفي و المنهجي لدى التلميذ .

   إن التحفيز و خلق الأوراش ذات التوجهات المتعددة المشارب ؛ في ظل قتامة وضع و بنية نفسية مهزوزة و دخل يسد رمق العيش ، لهي أم المهمات في هذا الصدد ما دام الأستاذ هو الحطب الحضاري الذي على " جثته" تعلو الإنسانية ، و ينمو الإنسان ، قدره دائما و أبدا أن ينير الشموع في الطريق و إن كان لا يحترق دائما ، شرفه ليس وساما و إنما صنع إنسان .

أما أن يغدو هذا المدرس عنوانا راقيا لمعاني الاستقالة ، تارة بحصر وظيفته في الأستاذية و الجلباب الذي يطال المحيط بالتعالي ، و جهل مسار المعرفة الذي مر منه و يمر منه كل من اختار لذتها .

أو من يرى في نفسه صاحب أسطورة الأسد في التفكير النتشوي ؛ يدعي القوة في المعرفة يمركزها و يحيطها بالهالة و القوة و هي من الناحية الابستمولوجية أظن بنفسها من أن تثبت زمنا طويلا في مكان واحد ، مشفوعة بيقينية تسفه باقي المعارف و تحتقر " الثانوي" منها ، بدعوى أصالة هو ناطق باسمها ، و من يرى الوظيفة أداء تقني للحصص و المذكرات ، دون توسيع مدارك الذات و تحصينها بالقراءة ، بدعوى ضمان الراتب الشهري و البحث عن مصادر أخرى لاستدرار النقود ، حتى تصبح في العديد من الأحيان قاعة الأساتذة مجالا و سوقا للبحث لذة البطن و نوع السيارة ، و منتوج الهكتار و سعر المواد الغذائية و العلفية و الحبوب و القطاني ، و أحاديث البارصا و الريال ، بشكل أصبحت فيه مناقشة الفكرة إلحادا و جحودا و صورة تراثية عفا عنها الزمان و أرداها مادة لحقل التاريخ الكلاسيكي .

    إن حرقة التغيير هو الإسهام في بناء الإنسان هو الخلفية الثاوية وراء القيمة الحضارية للمدرس و ما عداها هو فقط تبرير للحصول على مصدر رزق ( الاسترزاق بالعلم ) ، و هذه حرفة تمقتها الشخصية البانية ، و قد نعتقد أن الضعف الحضاري الذي يميز بلدنا راجع إلى غيابه في صنع الثروة بمعناها الفكري و العلمي ، لسبب وجيه هو تخلي المدرس عن وظيفته في بعدها القيمي ، و ارتمائه غير المبرر في مشارب و مسالك النفعية و الأداتية ، و استقالته المبكرة من القلق المعرفي ، و المحاولة باعتبارها جنسا من الالتباس ، تدفع إلى البحث و تعمق سبله رغبة في تجسيد إن الله يخشى من عباده العلماء ، هذه القيمة المعنوية و الاعتبارية لن تتأتى بالاستقالة ، و إنما بالانخراط و الإسهام قدر الإمكان في إعادة " الوهج " للمدرس باعتباره باني الحضارة .

مواضيع مختارة

الحركة الانتقالية المرتقبة وتحدي 70 ألف طلب

يترقب الآلاف من رجال ونساء التعليم نتائج الحركة الانتقالية الخاصة بالمدرسين والمدرسات والتي يرتقب أن يتم الإعلان عنها غدا الجمعة أو يوم الإثنين المقبل على أبعد تقدير حسب

إقرأ المزيد...

كيف السبيل لوضع حد للاعتداء التي تطال الأسرة التعليمية؟

زمان قيل» كاد المعلم أن يكون رسولا»،أيضا منذ سنين والمدرّس يعتبر بمثابة الموجه والمربي الذي يحضى باحترام الجميع،لكن في السنوات الأخيرة انتشرت وبشكل غريب

إقرأ المزيد...

المتصلون حاليا

98 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع