يوصف التصحيح باعتباره عملية تقويمية تستهدف تتبع مختلف الكفايات و القدرات المنهجية ، المرتبطة بالوضعية ـ المسألة ، الساعية أساسا إلى رصد التمكن و التمثل من جهة لهذه الكفايات ، و من جانب آخر معرفة أنواع " المعاطب " التي تشوب عملية التعلم .

و إذا كان الغرض من هذه الورقة لا ينصب علة "قراءة " الخلفيات و المنطلقات التي تتحكم في نموذج الامتحان الوطني ، فإن الرغبة كامنة في تحديد بعض معوقات عملية التصحيح ، في اتجاه تجاوز ما يحيط بها من عراقيل تحد من إمكانات و صفها بالعملية الهامة .

   إن الناظر إلى عملية التصحيح ، يلاحظ أن التعامل الإداري ـ القانوني معها يتم بأسلوب تقني ، يستحضر الواجب دون توفير شروط إنجاح العملية ، من ذلك ما يصطلح عليه بمركز التصحيح ، هذا المركز يغيب عن قصد الإيقاع الزمني الخاص بالأطر التربوية المكلفة بالتصحيح ، فبالإضافة إلى " الإلزام " الإداري ينضاف الإلزام المجالي ، و هو التنقل الاضطراري إلى هذه المراكز من مناطق لا تدخل في التنقلات العادية لهذه الأطر ، مما يستلزم أخذ المسألة بعين الاعتبار ـ و نقصد التعويض المالي عن التنقل الذي قد يتحول أحيانا إلى عبء كبير خاصة إذا كان الولوج إلى المركز بعيدا من حيث المسافة الزمنية ـ ، و كان بالأحرى تخصيص مركز العمل مركزا للتصحيح بشكل قد يعفي من التنقل الفردي ، و يجعل من التنقل جماعات واردا و بقوة .

قد يخيل إلينا أن الأجهزة الإدارية العاملة على مستوى المركز أو المديرية ، لا يعير اهتماما لهذه العملية ، و يتم التعامل معها انطلاقا من رقم إداري ، حيث يرغم الأستاذ بحكم التراتبية الإدارية على الالتزام دون تعاقد إنساني أو أخلاقي تراعى فيه الإمكانات و الظروف الخاصة بالعملية ، لأنها في تقديرنا أرقى من القانون و الإدارة ، ما دامت تهفو تقويم " رجال الغد " ، وتسهم في التنشئة الاجتماعية وفق المعايير و المقاييس المنصوص عليها  ، ذلك ما يؤثر على العملية ، و يجعلها في بنيتها ضحلة إذ تركز على الواجب دون الإنساني ، خاصة و أن الهاجس التقني المؤطر لأساسها ، يعد فارقا في هذا المستوى ، دون أن يرقى إلى عملية تقييم المعارف و المكتسبات في ظل المقاربة الكمية المعمول بها في إنجاح المتعلمين ، و بالنظر أيضا إلى طريقة احتساب النقط في الدورة العادية و الاستدراكية .

  و لعل العائق الذي انضاف إلى العملية هذه السنة يتمثل في عدد الأوراق المتعلقة بالتصحيح ، و التي لا تتجاوز ستون ورقة ، هذا " التقنين " لا يراعي على الإطلاق عملية التنقل المشار إلى صعوبتها آنفا ، في وقت أن العملية من حيث طبيعتها أكبر من الحسابات التقنية ، أولاها توفير كل ما من شأنه أن يضمن تقويما علميا تراعى فيه الجوانب التربوية و الإنسانية و المجالية ، و العلاقة التواصلية البناءة بين الأطر الإدارية المسؤولة و الأطر التربوية ، تتكامل فيه كل العمليات الكفيلة بإنجاح العملية ، عوض محاولة التخلص منها في وقت معين ومحدد ، و تتالى المعيقات الذهنية و النفسية حين أسندت إلى الأستاذ المصحح مهمة إدخال النقط في منظومة مسار و مسكها ، خارج أي تجديد في إطارها القانوني و بعيدا عن تعويضه عن هذه المهمة ، و محاولة توريطه في تحمل المسؤولية بالنظر إلى الأخطاء التي قد تصدر عن هذه العملية ، و الأمر لا يعني التنصل من المسؤولية ، بقدر ما هو مرهون بمهمة الأطر التقنية العاملة في المديرية ، و هنا نتساءل :

ـ ما معنى التعويضات المبالغ فيها بالنسبة لمدير الأكاديمية و المدير الإقليمي ؟ و ما معنى الدراهم الهزيلة للأستاذ المصحح ؟ و من يتحمل مسؤولية التقييم ؟ أليس في العملية برمتها إجحاف مقصود يراد به إقامة علاقات غير تربوية ، الهدف منها تكريس المقاربة العمودية ذات الصيغة القانونية الإدارية ، بعيدا عن تعاقد تربوي إنساني أخلاقي ؟ .

   المعضلة الثانية المرتبطة بعملية التصحيح ، تتعلق بالمزاوجة بين المراقبة في الامتحانات الإشهادية في ظل الخصاص البشري و التصحيح ؛ حيث أن تزامنهما يربك الأطر التربوية، و إن كان عائق فهو يعني " سوء " التدبير في مراعاة الزمن و تقديره ، فلا يعقل مثلا أن يتنقل الأستاذ صباحا لأجل التصحيح و في الفترة المسائية يطالب بالحضور من أجل المراقبة ، و سيف الاستفسار مسلط عليه في العملية الثانية ، و عامل الزمن في العملية الأولى ، و كان من الأحرى إعفاء المكلفين بالتصحيح من المراقبة ، و بالمثل إعفاء المراقبين من التصحيح ،خاصة إذا تزامنت العمليتان مع شهر رمضان و في ظل الأجواء الحارة ، حتى نستطيع أداء المهمة في أحسن الأحوال بعيدا عن الضغط و انسجاما مع الحقل التربوي الذي يمقت في بنيته كل الصيغ الإلزامية بالمعنى القهري ، و يحبذ ما هو إنساني تربوي مبني على القيم الأخلاقية و العلمية و الثقافية و المعرفية .

الدكتور رشيد اليملولي 

باحث في التاريخ و القضايا المحلية

مواضيع مختارة

تقنيات تحليل نص

1- مقدمة:
اعتبارا للطابع المهني الذي يسم هذا الامتحان ، توخينا التخفيف ما أمكن من الحمولة الأكاديمية للتقنيات المقترحة بصدد تحليل نص ، و توجيه المترشح بالتالي

إقرأ المزيد...

التلميذ بين التجاذب والتنافر تربويا وثقافيا

بقلم: نهاري امبارك

مقدمة:

تعتبر المدرسة مجتمعا مصغرا تتناغم ثقافة ساكنته والثقافة  الاجتماعية السائدة المنبثقة من قلب المجتمع سلوكا ومعاملات لتساهم وبشكل فاعل في صناعة وتشكيل الإنسان الذي نريد، ضمن الإطار العام للمجتمع.

إقرأ المزيد...

المتصلون حاليا

66 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع