الجزء الخامس:  أحداث وظواهر تؤثر في الأطفال تربويا ومدرسيا

بقلم: نهاري امبارك*

لقد عرف قطاع التعليم بالمغرب، ومنذ فجر الاستقلال إلى اليوم، أي على امتداد أكثر من نصف قرن، عدة إصلاحات،

تعاقبت بتعاقب الحقب الزمانية والأجيال المتوالية، حيث شكلت عدة مجموعات لجان، انكبت على النظر في قضايا التعليم، فاتخذت قرارات واختيارات وفق تصورات ذاتية وغايات مرسومة لمنظومة التربية والتكوين دون إطلاق تشاورات واستشارات واسعة وعلى جميع الأصعدة الاجتماعية، ما كان يؤدي إلى فشل هذه الإصلاحات دون تحقيق المنتظر منها على الساحة التربوية والتكوينية، الأمر الذي انعكس سلبا على جميع المستويات، منها الاجتماعية والاقتصادية، وغيرها.

حيث إن أي متتبع أو متفحص لهذه الإصلاحات، يلمس بكل بساطة مجموعة من الاختلالات، تطال المكونات والعناصر الرئيسية للعملية التربوية والتكوينية التي تنهض عليها ومن أجلها المنظومة برمتها، والتي تعتبر الأسس والمرتكزات الحقيقية للإصلاح التعليمي ومنها، الوضعية الأسرية الاجتماعية والتربوية للطفل/ التلميذ(ة).

حيث، في اعتقادنا، أن أي إصلاح تعليمي يتناول، فقط، بالمعالجة والدرس والتحليل البرامج والمناهج والمقررات الدراسية والكتب المدرسية، ويرفع شعارات، ويقدم إنشاءات شمولية وفضفاضة، لن يجدي نفعا، ولن يتجاوب مع الغايات المرسومة، ولن يحقق الأهداف المسطرة، ما دام لم تصاحبه، أو على الأصح، لم يسبقه اهتمام وعناية بالأوضاع التربوية والاجتماعية والدراسية للطفل/ التلميذ(ة) سواء داخل أسرته أو في محيطه المدرسي أو بيئته الاجتماعية أو داخل المؤسسة التعليمية نفسها بمرافقها وحجراتها ومكاتبها، أو بمختلف الأماكن العمومية التي يمكن أن يتواجد بها.

من هذه المنطلقات، فالطفل/ التلميذ(ة) يشكل، دون منازع، النواة الصلبة، وحجر الزاوية الحقيقي لكل إصلاح تعليمي: فما هي الأحداث والظواهر التي يعيشها الطفل/ التلميذ(ة) والتي تؤثر فيه نفسيا وتربويا ومدرسيا واجتماعيا، والتي قد تشكل عوامل إحباط تصرفه عن التمدرس والإنتاج الدراسي وقد تؤدي به إلى مغادرة الأسلاك الدراسية والانقطاع عن الدراسة؟

وحتى نجيب قدر الإمكان على هذا السؤال المحوري نعرض، واقع الطفل/ التلميذ(ة) ووضعيته، حيث يعتبر المحور الأساسي للعملية التربوية والتكوينية، كما يعتبر الاعتناء به وحمايته، أسريا واجتماعيا، إحدى الدعامات والأسس والمرتكزات الحقيقية التي ينهض عليها الإصلاح التعليمي، ونجاعة الخدمات المنتظرة من المنظومة التربوية والتكوينية حتى تضطلع بمهامها، وتؤدي رسالتها السامية تجاه تربية الأجيال المتعاقبة وتكوينهم وإعدادهم للحياة المهنية، إلى جانب خدمات مضامين المقررات الدراسية والبرامج والمناهج، وبموازاة لها، أو في تكامل معها، أخذا وعطاء.

سنحاول مناولة هذه الإشكالية، مع التركيز على عدة ظواهر وأحداث معيشة يوميا يعاني الطفل/ التلميذ(ة) وطأتها، التي يجب التصدي إليها ليؤتي أي إصلاح تعليمي أكله حتى يشعر الطفل/ التلميذ(ة) بالأمن والأمان، والاستقرار النفسي ويتمتع بحقوقه كاملة لينخرط في الإصلاح التعليمي المرتقب، ويسهم إيجابا في العملية التربوية، ويتابع دراسته دون تعثر أو انقطاع أو مغادرته الأسلاك الدراسية.

إن مختلف الدراسات والنظريات التربوية والنفسية تثبت أن الطفل كائن مرهف الإحساس، هش التشكيل، سريع الانفعال والتفاعل، وسهل التأثر بما يجري حوله وما يشاهده يوميا،  داخل أسرته وخارجها، أو داخل مدرسته وخارجها أو بالفضاءات والساحات والأماكن العمومية أو في فسحة استجمام وحده أو برفقة والديه أو أحدهما.

وهكذا، كثيرا ما يصادف الطفل/التلميذ، في عدة أماكن ، من شوارع وأزقة ومقاهي وساحات عمومية وحدائق وغيرها، يصادف أو يسمع كلاما بذيئا ومنحطا، أو تقع عيناه على مشاهد مخلة بالحياء العمومي، خصوصا ببعض الحدائق، أو الأماكن التي يرتادها أشخاص، ذكورا وإناثا، عديمو الأخلاق، تصدر عنهم أفعال، أمام الملأ، يندى لها الجبين، وتحز في نفوس الأطفال الذين لم يسمعوا ولم يشاهدوا مثلها لا ببيوتهم ولا بمدارسهم، والتي يحاربها الآباء والأمهات والأطر الإدارية والتربوية بالمؤسسات التعليمية.

إن هذا الأوضاع المشينة فعلا وتعاملا، والمنحطة معاملات، والمخالفة تماما لما يتربى عليه الأطفال وما يتعلمونه من خلال الكتب المدرسية والمقررات،  تحرجهم (الأطفال) لا محالة، وتدفعهم إلى التفكير ومراجعة مختلف الوضعيات التي يعيشونها، أسريا ومدرسيا، حيث يشعرون أنهم يتأرجحون بين خطابين  متناقضين: خطاب تربوي بالوسط الأسري/المدرسي، من جهة، وخطاب فظ بالمحيط الأسري/المدرسي وبالأماكن العمومية، من جهة أخرى، الشيء الذي قد يجعلهم يشككون في محتوى الممارسات التربوية الأسرية والمدرسية، والذي ينشأ عنه صدام الخطاب وصعوبة التواصل بين الأطفال/التلاميذ وآبائهم وأولياء أمورهم، من ناحية، وبين الأطفال/التلاميذ ومدرسيهم من ناحية أخرى. هذه الوضعية يتم تفسيرها غالبا بالعصيان، وعدم الانصياع لمبادئ التربية الأبوية والمدرسية.

إن كثرة هذه الممارسات المشينة في عدة أماكن وتوالي هذه المشاهد المتكررة يوميا، قد تؤثر سلبا في الصحة النفسية للأطفال وتؤدي بهم إلى اضطرابات ومشاكل نفسية، فينتابهم الضجر جراء التناقض المعيش، وتتناسل تساؤلاتهم، وتتملكهم الحيرة والتردد بين أشكال مواجهة مختلف الوضعيات وكيفية التعامل معها حفاظا على علاقاتهم مع آبائهم ومدرسيهم الذين غالبا ما يتدخلون لتعديل السلوكات الطارئة.

وقد تخطئ هذه التدخلات مسارها، وقد لا تحقق الأهداف المنتظرة منها، فيتزايد شعور الأطفال بعدم الطمأنينة والاستقرار النفسي، جراء تناقضات صارخة مؤثرة سلبا في تنشئتهم الاجتماعية، حيث يجدون أنفسهم يتأرجحون بين ما يحظره الأبوان والمدرسة وما يبيحه الشارع والأماكن العمومية، من أفعال منحطة وكلام بذيء وسباب وشتائم ومجون وإباحية دون مراقب ولا رادع، ومن ثم،  ومن شدة التأثر، ينحون، لا محالة، منحى الانحلال الخلقي والانحراف، ما يؤدي إلى تنامي سلوكات العنف والعدوانية، اعتقادا منهم أنهم يسلكون المسلك القويم، اعتبارا لما يشاهدونه ويعيشونه في المحيط الاجتماعي.

قد تتعقد هذه المواقف وتتعارض وتزداد وضعية الأطفال تعقدا، فتتملكهم رغبة جامحة لإثبات الذات عبر ممارسات متنوعة: إقدامهم على التدخين وتناول المخدرات وارتياد الأماكن الموبوءة والمتعفنة أخلاقا، ما يترتب عنه معاشرات مشبوهة وأفعال محظورة، من سرقة ومتاجرة محرمة وغير ذلك من أفعال تعرضهم إلى عقوبات متباينة.

فما فائدة التربية الأسرية والمدرسية إذا كانت البيئة الاجتماعية موبوءة وتنسف كل ما يتربى عليه الأطفال؟ وأي تنشئة اجتماعية في ظل عدم ترسيخ التربية القويمة والقيم السامية؟

إن عدم التكامل بين الأساليب التربوية الأسرية والمدرسية والاجتماعية قد ينتج عنه عكس الأهداف والغايات المتوخاة من منظومة التربية والتكوين من تربية سوية وأخلاق حسنة وقيم سامية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كيف يمكن للمؤسسة التربوية إعداد مواطن صالح ومخلص في ظل بيئة اجتماعية تتناقض فعلا وممارسة والأهداف والغايات المسطرة للمنظومة التربوية والتكوينية؟ حيث تأثر الأطفال بممارسات مشينة، في غياب ضبط ومراقبة، قد يؤثر سلبا في تفاعلاتهم داخل محيطهم الأسري والمدرسي، وقد يؤدي إلى الانحراف والعصيان فينفرون الفصل الدراسي ويتمردون على آبائهم ومدرسيهم،  ما يؤدي بهم إلى مغادرة الأسلاك الدراسية والانقطاع عن الدراسة.

المراجع:

  • §الميثاق الوطني للتربية والتكوين، 2000، المغرب؛
  • §د. عبد النبي رجواني، حول إصلاح التعليم، مساءلة الخطاب ودعوة للاستشراف، منشورات الزمن، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب؛

 

  • §د. سعيد بحير، الصحة النفسية واضطرابات الشخصية، السيكولوجي، الكتاب الثاني، الطبعة الأولى، 2005، فاس، المغرب؛
  • §أ. عبد الكريم غريب، المنهل التربوي، منشورات عالم التربية، الطبعة الأولى 2006، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب؛

بقلم: نهاري امبارك، مفتش التوجيه التربوي، مكناس، المغرب.

مواضيع مختارة

الدروس الخصوصية عبء ثقيل على الأسر ومصدر للرّبح السريع

لم تعد الدروس الخصوصية أو ما يصطلح عليه بـ»دروس الدعم والتقوية» (خطأ أو تدلسيا) حكرا على الأثرياء وذوي الدخل المرتفع، كما كان الأمر في السابق،

إقرأ المزيد...

تراخيص متابعة الدراسة الجامعية: أتى أمر الوزير فلا تستعجلوه..

سعيد الشقروني

في سياق ذات صلة، في مقال من مقالاتنا السابقة التي وصفنا فيها المشهد النقابي والتربوي ببلادنا، ونحن نتابع شكاوى وتظلم مجموعة من نساء ورجال التعليم ممن لم تمنحهم الإدارة تراخيص

إقرأ المزيد...

المتصلون حاليا

130 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع