ذ.عادل ضرضوري

    نروم في هذه الورقة مقاربة أهم  العمليات العقلية التي يقوم بها الدماغ البشري، استنادا إلى مسلمة منطقية في الدراسات السيكولوجية تقول: إن أية عملية فهم

لابد أن تستند إلى عمليات عقلية أخرى كالانتباه، والتذكر، والتخيل، والتفكير. وهذا ما يبرردراسة عملية الفهم في ظل تفاعلها وتقابلها بمختلف العمليات العقلية الأخرى. وتنصب هذه المقاربة في مسار التحقق من فرضية أساس، ونقصد: فرضية البناء المتقابل للعمليات العقلية عموما، وعملية الفهم/الإدراك على وجه الخصوص، لذلك سنعمل على كشف التقابلات المفترضة في كل عملية عقلية على حدة من جهة، وبين عملية الفهم-باعتبارها العصب الرئيسي لهذا البحث- ومختلف العمليات العقلية من جهة أخرى، وهو ما سيمكننا من استنباط الآليات الذهنية التي تحكم اشتغال عملية الفهم، والتي ستعطينا إمكانيات مهمة لتوظيفها في الميدان التربوي.

1-تقابلات عملية الانتباه: 

   لقد بنيت عملية الانتباه- باعتبارها عملية عقلية أولية نروم من خلاها التركيز على مثير معين قصد تحويله إلى المنظومة الإدراكية- على مجموعة من التقابلات، فكل فعل انتباهي- كيفما كان نوعه- مبني على تقابل مركزي بين منتبه و منتبه إليه، ثم تأتي السمات المتقابلة لكل عنصر من هذه الثنائية، باستحضار السياق الذي تمت فيه عملية الانتباه(الفصل الدراسي في حالتنا هاته)، ويمكن الكشف انطلاقا من التقابل المركزي/النووي[1] (منتبه / منتبه إليه) على مستويين اثنين يتعلقان بموضوع الانتباه:

    أ- المستوى الأول:يتقابل فيه المنتبه(المتعلم) بالمنتبه إليه(شرح الأستاذ/الدرس)، فينتج عن هذا النوع من التقابل انتباه يمكن تسميته ب"الانتباه الهادف"، حيث يستثمر المتعلم جل طاقته التركيزية ويوجهها نحو موضوع الدرس، وهذا يتطلب منه نفي وإهمال المنبهات الأخرى التي يفترضها سياق التعلم.

    ب- المستوى الثاني:يتقابل فيه المنتبه(المتعلم) بمنتبه إليه من نوع آخر مثل:(كلام تلميذ آخر،ضجيج في القسم،صورة معلقة أعلى الجدار،هيئة الأستاذ...) ويمكن تسمية هذا النوع من الانتباه ب"الانتباه الشارد"، حيث ينقل المتعلم طاقته التركيزية(الانتباهية) من موضوع الدرس إلى أشياء أخرى خارجة عنه.

   يكشف لنا هذان المستويان عن مجموعة من التقابلات الجزئية، وهي تقابلات يمكن أن تلتقي عند  محورين اثنين يتعلقان بذات المنتبه:

المحور الأول- التقابل القصدي: حيث تقابل ذات المتعلم الموضوع المنتبه إليه( سواء موضوع الدرس أو أشياء أخرى خارجة عنه) بملء إرادتها، و بشكل واعي وشعوري، فالمتعلم هو الذي يختار موضوع انتباهه من غير أن يفرض عليه من طرف سلطة خارجية (سياق المدرسة، الأستاذ، تلميذ له سلطة في القسم،...)، وهذا يعني أن العامل في الانتباه عامل داخلي ذاتي، وينتج عن التقابل القصدي نوعان من الانتباه: انتباه ايجابي(هادف)؛ يوجه فيه المتعلم تركيزه نحو موضوع الدرس، وانتباه سلبي(شارد)؛ ينحو فيه المتعلم بتركيزه عن موضوع الدرس.

المحور الثاني- التقابل اللاقصدي: وهو تقابل يتعلق بالمنبه الخارجي الذي يفرض نفسه على الذات المتقابلة معه(المتعلم)، فيجعلها تستجيب له بطريقة لا واعية، حسب شدة المنبه، والسياق الذي حدث فيه فعل الانتباه، مثال ذلك: صراخ متعلم أثناء عملية دراسية عادية، سينتج عن هذا الصراخ -لا محالة -تحويل انتباه المتعلمين والمدرس- كذلك- عن موضوع الدرس، وتوجيهه نحو ذلك الصراخ، ويسمى هذا النوع من الانتباه  بالانتباه القسري اللاشعوري، أي الانتباه الذي لم يخطط له مسبقا.

 

2-تقابلات عملية الإدراك/الفهم:

      أسس الفعل الإدراكي على بنية من التقابلات التي تحكم اشتغالاته  بالمواضيع المدركة، ولعل أجلى هذه التقابلات هو تقابل الوضعية الإدراكية بين الـمدرك و موضوع الإدراك، والذي يفترض مجموعة من التقابلات الأخرى،و التي يمكن تفصيلها على النحو التالي:

1.2.التقابل الخارجي للإدراك:

وهو تقابل يحدث بين الذات المدركة(ذات المتعلم) وموضوع الإدراك (صوت، إحساس،صــورة، فكرة،رائحة،...)، عن طريق استقبال حواس المتعلم للموضوع المراد إدراكه، وهذا يعني أن هذا التقابل يبقى رهين الإدراك الحسي للأشياء( أي التمثل الشكلي للأشياء المدركة) دون الخوض في تحليلها وتفسيرها ومعرفة خصائصها.

2.2.التقابل الداخلي للإدراك:

     يحدث هذا التقابل على المستوى الذهني للمتعلم، حيث يجري تأويل الأحاسيس التي سبق استقبالها وإعطاؤها المعاني الخاصة بها، وهو تقابل بين الإحساس والمعنى الذي يعطى لهذا الإحساس أي بين الإحساس(الشعور بالمحسوس) والإدراك(تفسير المحسوس)، ويمكن الإشارة كذلك إلى تقابل من نوع آخر بين الصور المادية للأشياء في العالم الخارجي، ومثيلاتها الرمزية/الذهنية التي كونت عنها في العالم الداخلي(الذهن).

     أما فيما يخص الطريقة التي يدرك بها الإنسان الأشياء الجديدة، فيمكن الانطلاق من الوضعية الإدراكية التالية لاستخلاص التقابلات التي بنيت عليها :

   لنفترض أن المدرك(المتعلم) يرغب في إدراك شيء جديد لم يحدث أن مر بذهنه، (صورة أيل  مثلا).إذا ما هي العمليات التي سيقوم بها ذهن المتعلم إزاء هذا المعطى الجديد؟

   نفترض ثلاث مراحل رئيسية لمعالجة شيء جديد- تأتي بعد مرحلة استقبال الحواس لصورة الأيل - نوردها كما يلي:

مرحلة المطابقة: حيث يعمل ذهن المتعلم على مقابلة الصورة المستقبلة بواسطة الحواس مع شبيهاتها في الذاكرة ليقرر النظام الإدراكي إذا كانت هذه الصورة مطابقة لواحدة أو أكثر من الصور  المخزنة  في الذاكرة أم لا[2]. فإذا تمكن النظام الإدراكي من إيجاد صورة مماثلة للتي استقبلتها الحواس(صورة ماعز مثلا)، فإذاك يتم الانتقال إلى العملية الثانية، وإلا حصل الغموض وعدم المعرفة في حالة عدم وجود مقابل للصورة الجديدة.

مرحلة التحليل: تأتي هذه العملية بعد وجود مقابل للمعطى الجديد(صورة الأيل) والذي افترضنا أنه (صورة ماعز)، حيث يعمل ذهن المتعلم على تحليل ملامح صورة الأيل ومقابلتها بملامح صورة الماعز المكتسبة سابقا و المخزنة في الذاكرة[3]،وهذا يعني أن المتعلم يقابل بين معروف(صورة الماعز) ومجهول(صورة الأيل)، وذلك عن طريق فرزه للسمات المشتركة بينهما والتي يمكن أن تكون على الشكل التالي:

المعطى الجديد(صورة الأيل)

(مقابل)

المعطى القديم(صورة الماعز)

معطى مجهول

(مقابل)

معطى معروف

يكسو جسده شعر

(مقابل)

يكسو جسده شعر

قرونه كبيرة(تشبه أغصان الأشجار)

(مقابل)

قرونه صغيرة

حجمه كبير

(مقابل)

حجمه صغير

لونه أشهب/أبيض(مثلا)

(مقابل)

لونه أسود/أبيض (مثلا)

   عند انتهاء المدرك (المتعلم) من تحليل ملامح المعطيين المتقابلين (صورة الأيل/صورة الماعز) سينتقل مباشرة إلى المرحلة الأخيرة في إدراك المعطى الجديد.

مرحلة إصدار الحكم : يقوم المتعلم في هذه المرحلة- انطلاقا من المعطيات التي قام بتحليلها وفي ضوء المقابلة بين المعطيين (صورة أيل/صورة ماعز)- باستخلاص الملامح العامة التي على أساسها يبني حكما على المعطى الجديد(صورة الأيل)،أي التعرف إلى ماهية هذا الحيوان وخصائصه المميزة وأساليبه الغذائية وغيرها وقد يكون هذا التعرف مرفقا باسم المعطى الجديد أو غير مرفقا به.

   يوضح هذا المثال البسيط، الطريقة المفترضة التي ينهجها الذهن البشري لفهم أشياء جديدة لم يسبق أن مرت بجهازه الإدراكي، حيث يعتمد على عملية مقابلة سمات موضوع الإدراك مع الأشياء التي سبق تخزينها في الذاكرة، والتي تتشابه من حيث الخصائص والسمات الشكلية والنوعية والدلالية وغيرها* مع موضوع الإدراك الجديد، عبر مجموعة من المراحل التي تختتم بإصدار حكم على موضوع الإدراك قد يميل إلى الصحة أو الخطأ.

3-تقابلات عملية التفكير:

     يمارس الإنسان عملية التفكير في ظل وضعية تفكيرية متقابلة بين المفكر والمفكر فيه (هذه الممارسة قد تكون بوعي أو بلا وعي)، مستندا إلى مخزونه المعرفي، ومنكبا على قضية أو إشكالية أو فكرة أو حدث قاصدا فهمه و تفسيره؛ بناء على آليات الاستنباط والاستقراء والمقابلة والتفكيك وغيرها.

     وتتولد عن الوضعية التفكيرية (مفكر/ مفكر فيه)، مجموعة من التقابلات الاستتباعية[4]،- التي ترتبط بمعيار الصدق*- يمكن عرض بعضها على الشكل التالي:

3-1- تقابل التفكير والواقع:

    ويقصد به عمل الذات المفكرة على مقابلة تفكيرها بالواقع ؛ أي أنها تعرض نتائج تفكيرها على الواقع الخارجي، لتتأكد من صدقها أو عدم صدقها، وهذا يعني أن موضوع التفكير مرتبط بشيء خارج الذات وقابل للمعاينة والتجربة، ويسمى هذا النوع من التفكير ب"التفكير التجريبي" الذي يعتمد على أساس "التطابق مع الواقع"[5] من جهة أولى، وعلى معيار الاستدلال العقلي والتجربة من جهة ثانية. أما خطواته فتتضمن:الوعي بوجود مشكلة معينة، وتحديدها وتحليل عناصرها، ووضع الفروض لحلها، ثم دراسة هذه الفروض ومناقشتها لإصدار حكم نهائي عليها[6].ومثال ذلك: تفكير أب في مشكلة اجتماعية وتربوية مفادها تغيب ولده عن الدراسة لمدة أسبوع، فيضع مجموعة من الفروض لهذه المشكلة مثل: عدم رغبته في الدراسة، أو حصوله على معدلات متدنية، أو تعرضه لمشكلة نفسية أو اجتماعية داخل المدرسة، فيحاول الأب التحقق من هذه الفروض عن طريق الاتصال بالإدارة أو الأساتذة أو التواصل المباشر مع ابنه، فتتجمع لديه مجموعة من المعطيات يقارن بينها ليصل في النهاية إلى حكم يؤكد الفروض التي وضعها في البداية أو يضحدها ليخلص إلى نتيجة مغايرة.

3-2-تقابل التفكير والذات:

    تسعى الذات المفكرة إلى جعل نفسها معيارا لصدق فكرة ما أو عدم صدقها، مستندة إلى الخلفيات الدينية والثقافية والاجتماعية التي تشبعت بها، فالتفكيرفي هذه الحالة يقوم على أساس"التطابق مع الذات[7]"، أي الرجوع إلى الأفكار والمسلمات التي تؤمن بها الذات،والاستغناء عما عداها من الحقائق العلمية و المعطيات الواقعية. ومثال ذلك: تعنيف أب لابنه لأنه رسب في الامتحان الإشهادي ، فالأب في هذه الحالة واجه مشكلة وهي(رسوب ابنه في الامتحان الإشهادي)، وفكر في حل هذه المشكلة استنادا إلى خلفياته الاجتماعية أو الثقافية أو التربوية، أي أنه قابل بين ما يمثله له موضوع المشكلة(الرسوب في الامتحان) وطريقة التفكير في حل لهذه المشكلة،دون أن يستعين بمعطيات خارجية(استفسار الابن عن سبب الرسوب،التواصل مع الإدارة،الاتصال بالأساتذة...).

 

4-تقابلات عملية التذكر:

     تقوم عملية التذكر-شأنها شأن مختلف العمليات العقلية-على تقابلات متعددة، تحكم مسارات اشتغالها، وتنطلق بالأساس من تقابل مركزي للوضعية التذكرية؛ طرفاه المتذكر وموضوع التذكر،وهو ما يمكن تفصيله على الشكل التالي:

4-1-تقابل الأزمنة ومتعلقاتها:

     يمارس الإنسان عملية التذكر بناء على تقابل بين زمنين مختلفين هما: الحاضر والماضي، فالذات المتذكرة تقع في الحاضر؛ أي "هنا والآن"، أما موضوع التذكر فإنه يقع ضمن بنية زمنية ماضية، ويسترجع لغاية معينة في الحاضر، فلنفترض مثلا أن موضوع التذكر هو: النجاح في الامتحان الإشهادي، فالمتذكر يستدعي هذا الفعل التذكري الذي مضى وفات، من أجل غاية معينة في الحاضر، إنه يعمل على استدعاء موضوع النجاح بكل متعلقاته الأخرى (الزمان،المكان،الحالة النفسية،الأصوات،الأصدقاء...)، فهو بهذا يعيش زمنين متقابلين (حاضر/ماضي وماضي/حاضر) يلتقيان عند نقطة "هنا والآن".

4-2-تقابل المادي والمجرد:

      إن عملية الحفظ في الذاكرة تقوم أساسا على تحويل أشياء مادية إلى مقابلاتها المجردة، أي نقل عالم مادي يمكن إدراكه بالحواس الخارجية إلى عالم ذهني داخلي، فالمتذكر حين يستدعي فعلا تذكريا-ولنفترض  على سبيل المثال أنه لقاء مع الشاعر محمود درويش- يقف كذات مادية في مقابل موضوع تذكر تحول من بنيته المادية ( اللقاء الواقعي مع محمود درويش) إلى بنيته الرمزية المجردة (صور اللقاء المخزنة في الذهن والمرفقة بالأصوات والتعابـير والأحاسيس وغيرها)، وهو ما يعني أن أي ممارسة تهدف لتخزين مادة معينة في الدماغ، لابد وأن تمر من مرحلة قبل تذكرية(مادي/ مادي) أي(إنسان/ معطى تذكري محسوس) إلى مرحلة تذكرية مادي(الإنسان) مقابل مجرد ( المعطى المتذكر).

 

4-3-تقابل بنية فعل التذكر:

    في كل عملية تذكر، نحاول أن نسترجع "نسخة حقيقة عن الحدث أو المثير الفعلي[8]" الذي سبق أن احتفظنا به في ذاكرتنا، وهذا يعني أننا نؤمن بأن الأحداث والصور تنطبع في مخنا "انطباعا شبيها بانطباع الخاتم في الشمع، أو بانطباع الصورة في لوح فوتوغرافي[9]"، وهذا ما تتبناه نظرية الأثر في الذاكرة، إلا أن تصور هذا المبحث يميل أكثر إلى "النظرية البنائية"، فتجارب علم النفس الحديثة أثبتت أن تمثلات الذاكرة لدى الإنسان تنحو إلى بلوغ المعنى القريب للأحداث والأفعال المتذكرة، ذلك أن الإنسان ليس مجرد متلق سلبي يسجل الأحداث بصورة مطابقة تماما للأصل، بل هو فاعل في هذه الأحداث يمكن أن يضيف إليها كما يمكنه أن ينقص منها حسب العوامل النفسية والاجتماعية والسياقية التي يستقبل فيها الحدث[10].وهذا يعني أن الأفعال التي نتذكرها تقابل الأفعال الأصلية تقابلا إشباعيا( إضافة معطيات معينة على الفعل الأصلي) أو حذفيا(نقص أحداث أو كلمات أو أفكار ...).

5-التقابلات النسقية للعمليات العقلية :

     بعد أن درسنا تقابلات كل عملية عقلية على حدة، سنعمل في هذه الفقرات على استنباط وكشف التقابلات الكائنة والمفترضة بين عملية الفهم-باعتبارها المحور الأساسي لهذا البحث- وباقي العمليات العقلية، أي التطرق إلى مجمل التداخلات التي تحصل بين العمليات العقلية أثناء نشاط معين للفهم.

    إن أي عملية فهم-كما أسلفنا- لابد أن تتدخل في اشتغالها عمليات ذهنية أخرى، فلا فهم بدون انتباه أو تذكر مثلا، وهذا يعني أن العمليات العقيلة متماهية فيما بينها، تشتغل كوحدة متكاملة لإنتاج فعل أو سلوك معين (تذكر،فهم،تفكير..)، فلنفترض مثلا أننا بصدد الوضعية التفهمية الآتية: التمهيد لنص الشعري المعنون ب "الكادح"[11] من خلال الصورة التالية:

 

 

    إن هذا التمهيد يستهدف تقريب أذهان التلاميذ من موضوع القصيدة، وإعطاءهم صورة حسية عن معنى كلمة"كادح".لكننا في هذا المقام سنحاول التركيز فقط على طريقة تمثل الصورة بمختلف مكوناتها والمعنى الذي سيعطى لها، دون الدخول في علاقتها بالنص.

  لا بد في المرحلة الأولى من اشتغال الحواس الخارجية(عملية الانتباه وعملية الإحساس)، حيث سيعمل التلميذ على تركيز انتباهه على الموضوع المراد فهمه، وهو في هذه الحالة الصورة( موضوع التمهيد المرفقة بشرح الأستاذ). إن أول تقابل يمكن لمسه في هذه الحالة هو: التقابل بين الانتباه والإحساس ، فالتلميذ الذي يركز انتباهه على موضوع التفهيم بشكل قصدي*، يقوم ذهنه بناء على هذا التركيز بخلق تقابل بين موضوع الانتباه (نكتفي هنا بالصورة ليتضح الأمر)، والانطباع الحسي الذي يولده لديه هذا الموضوع(الإحساس البصري بشكل الصورة،ومكوناتها، وألونها)، وهذا يعني أن الانتباه-على سبيل المثال- إلى صورة كرة سينتج عنها مقابل حسي يتمثل في تكوين صورة ذهنية للكرة، وليس صورة بطة أو كرسي.أي أن الدماغ يعمل على خلق نسخة ذهنية مطابقة للمعطى الخارجي وليس أثر أو بقايا إحساس[12]. وهنا وجب التفريق بين موضوع الانتباه أو الإحساس والأشياء التي قد يثيرها هذا الموضوع ، فقد ينتبه التلميذ مثلا إلى صورة"حافلة" لكن هذا الانتباه قد يولد لديه أحاسيس ومشاعر قد عاشها سابقا، أي أنه تجاوز إدراك صورة الحافلة بكل معطياتها إلى علاقة هذه الصورة بتجاربه الشخصية.

    من جهة أخرى، يتقابل إحساس التلميذ -الذي يعني وعيه أو شعوره بوجود الشيء(صورة العامل) من خلال الإثارة القادمة عبر المجسات الحسية[13] ، بإدراكه الذي يعني المعنى أو التفسير الذي يعطى لهذه الإثارة/الصورة[14] بأمثال هذه الصورة في الذاكرة، أي أن التلميذ يبحث في ذاكرته عن أشباه هذه الصورة ثم يقوم بتحليل عناصرها الجزئية(الألوان،الأشكال،الملامح،الدلالات..) ضمن السياق الذي وضعت فيه، وانطلاقا من هذا يعطي معنى معينا للصورة موضوع الفهم. فكيف سيعرف التلميذ أن هذه الصورة تشير إلى "شخص يحمل كيسا"؟ إن لم يكن قد خبر أمثالها سابقا، واختزن في ذاكرته مقابلات عدة لها*، وهذا لا ينطبق على المرئيات فقط، فحتى اللغة التي نتواصل بها بشكل عفوي وطبيعي، تفهم وتدرك على نحو تقابلي، فعندما تحاور شخصا معينا من عشيرتك اللغوية، وتفهم كل كلمة ينطق بها بطريقة آلية، فدماغك في هذه العملية يقوم بالبحث في مخزونه" عن كل كلمة تقال ويقارنها مع جميع المرات السابقة التي نطقت فيها الكلمة ثم يقوم بسلسلة عمليات ربط الحواس لضمان فهم سلس[15]".

    إن عملية فهم معطى هذا التمهيد تفترض تقابل عمليات الانتباه والإحساس والإدراك والتذكر، وهذا التقابل لا يتم بشكل متوالي، بل بطريقة متداخلة وسريعة، أما بخصوص المعنى الذي ينتجه التلميذ حول معطى التمهيد فقد يتراوح بين الصواب والخطأ وقد يتغير حسب السياق والوضعيات النفسية وغيرها من المعطيات الخارجية.

   بناء على ما سبق، يمكن تمثيل التقابلات النسقية بين عملية الفهم وباقي العمليات العقلية على الشكل التالي:

 

على سبيل الختم:

تقتضي التجديدات التربوية والبيداغوجية التي تمس المناهج والمقرارات الدراسية، ابتكار وتجديد أساليب تدريس هذه المناهج وفق ما تفرضه التغيرات الاجتماعية، والثقافية، والتربوية والعلمية، وتجديد منهجيات التدريس وتقنياته ينبغي أن ينطلق من تصور شمولي للعملية التعليمية التعلمية في علاقتها بمختلف الفاعلين التربويين، والأهم من هذا؛ أن ينظر إلى حاجات وتطلعات التلاميذ ومستوياتهم الإدراكية، وهو ما حاولت هذا الورقة التأسيس له عبر بلورة تصورات إستراتيجية التقابل ضمن بعدي الفهم والتفهيم، والتي تراعي مدارك المتعلمين وتمكنهم من استيعاب المعارف والمعلومات بطريقة ناجعة، وهذا راجع لاعتمادها على الأساليب التمثلية التبسيطية(الخطاطات، الجداول، الصور...)، وإلى انطلاقها من مبادئ التدرج واحترام مستويات الذكاء ومراعاتها، ثم الانتقال بالمتعلم من معرفة أو تمثل معرفي ملتبس إلى تمثل معرفي واضح وجلي.

عن الكاتب

الاسم الكامل

عادل ضرضوري

المهنة

أستاذ التعليم الثانوي الإعدادي

العنوان الإلكتروني

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الهاتف

00212670827957

البلد

المغرب

الشواهد المحصل عليها

الإجازة في الدراسات العربية

دبلوم الدراسات العامة

دبلوم التخرج من المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين

الاهتمامات والانتاجات

العلوم النفسية وعلوم التربية

الادآب-القصة والرواية

له مقالات في علوم التربية والأدب

 

 



[1] - يحضر هذا المفهوم في بعده النصي والتأويلي في كتاب د.محمد بازي:تقابلات النص وبلاغة الخطاب نحو تأويل تقابلي،الدار العربية ناشرون،لبنان،ط.1،

2010. ويعرفه بقوله:"التقابل النووي:هو التقابل الملركزي في النص، بين موضوعين، أو حالتين، أو زمنين، أو قيمتين، أو وضعين"،ص.175.

 

 

[2] - رافع النصير الزغلول وعماد عبد الرحيم الزغلول،علم النفس المعرفي،م.م،ص.119.

[3] - رافع النصير الزغلول وعماد عبد الرحيم الزغلول،علم النفس المعرفي،م.م،ص..122..

*بعض هذه السمات يمكن لمسه في إدراك المفاهيم المجردة مثلا.

[4] - :تقابلات النص وبلاغة الخطاب نحو تأويل تقابلي،محمد بازي،الدار العربية ناشرون،بيروت/لبنان،ط.1، 2010. ويعني هذا المفهوم:في بعديه النصي والتأويلي   

       التقابلات المتفرعة عن التقابل النووي،والتي تكمله وتوسع مجال معناه. ص،172.

*هناك مجموعة من المعايير الأخرى التي يمكن رصد تقابلات عملية التفكير وفقها،ونذكر على سبيل المثال:معيار النوع،معيار التحقق،معيار الملاءمة.وغيرها....

[5] - : سيكولوجية العقل البشري،كامل محمد محمد عويضة،م.م.م ،ص.13.

[6] - : عبد الرحمان عيسيوي،علم النفس بين النظرية والتطبيق،م.م،ص.ص.180.179

 

[7] - : سيكولوجية العقل البشري،كامل محمد محمد عويضة،م.م.م ،ص.13.

[8] - محمد قاسم عبد الله، سيكولوجية الذاكرة:قضايا واتجاهات حديثة، ،م.م،،ص.19.

[9] - محمد عثمان نجاتي،الإدراك الحسي عند ابن سينا:بحث في علم النفس عند العرب،دار الشروق،القاهرة،ط.1، 1980،ص.186.

[10] - سيكولوجية الذاكرة:قضايا واتجاهات حديثة، محمد قاسم عبد الله ،م.م،.ص.21.20.

[11] - مجموعة مؤلفين،المختار في اللغة العربية:السنة الثالثة من التعليم الثانوي الإعدادي،مكتبة المدارس،الدار البيضاء،ط.4، 2009، ص،123.سنركز هنا على المعطيات الإدراكية دون ربطها بموضوع التمهيد

*نفترض في هذه الحالة حصول انتباه قصدي أي يرغب المتعلم بملء إرادته أن ينتبه للموضوع المدرس.

[12] - سيكولوجيا الذكاء، جان بياجيه،تر:يونالاد عمانوئيل، عويدات للنشر والطباعة، بيروت/لبنان،2002،ص.127.

[13] - رافع النصير الزغلول وعماد عبد الرحيم الزغلول،علم النفس المعرفي،م.م،ص.112.

[14] - رافع النصير الزغلول وعماد عبد الرحيم الزغلول،علم النفس المعرفي،م.م،ص.112.

* هذا يعني أن عدم وجود مقابلات ذهنية للصورة موضوع الفهم قد يضيق أو يغيب فهم التلميذ لها.

[15] - توني بوزان، العقل واستخدام طاقته القصوى، ترجمة:إلهام الخوري،دار الحصاد، دمشق،ط.1، 1996،ص.ص.45.44.

 

مواضيع مختارة

نحو قراءة جديدة لفلسفة التربية

ادريس رابح

لا شك أن التربية موضوع خصب شغل الفلاسفة و المهتمين بالشأن التربوي ،و ظل منذ القدم محط خلاف و تجاذب فكري بين مختلف العلماء و التيارات و التوجهات الفكرية

إقرأ المزيد...

محاربة الغش في الامتحانات مسئولية المجتمع

بقلم: نهاري امبارك(*).

مقدمة:

تتعدد تعريفات ومفاهيم الغش وتختلف بتعدد واختلافات مجالات استعمالها وتداولها، لكنها تستقر في مجملها من حيث الممارسة والوسيلة والغاية، في كونها فعلا مذموما يتخذ من المكر والخديعة والتحايل

إقرأ المزيد...

المتصلون حاليا

112 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع